الرئيسية \
2012/02/23 الضفــّــــــــة الأخـــــــرى
المفاجأة: أن يفوز ساركوزي
الكاتب : جميل مطر

ثقة كبيرة في النفس أم حب جارف للسلطة. ذلك الذي يدفع رئيس جمهورية بشعبية متدهورة إلى إعادة ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثانية؟ فقد أعلن نيكولا ساركوزي، رئيس جمهورية فرنسا، ترشيح نفسه لفترة ثانية رغم أن جميع استطلاعات الرأي، وتحديدا اثني عشر استطلاعا منها، أكدت أن شعبيته في انحدار، حتى قيل عنه إنه الرئيس الأقل شعبية في تاريخ فرنسا.

تجري الانتخابات الفرنسية على جولتين، الأولى يوم 22 نيسان والثانية يوم 6 أيار، ويتنافس فيها عشرة مرشحين، يتصدرهم ساركوزي، مرشح اليمين الديغولي، وفرانسوا هولاند، مرشح الاشتراكيين، ومارين لوبين، مرشحة اليمين المتشدد. وسوف يركز ساركوزي في حملته الانتخابية على ثلاث قضايا رئيسية، هي التقليل من مكانة وأهمية منافسه الاشتراكي، والهجرة غير المشروعة، وشعار الجهد والعمل طريق الرخاء.

ويؤخذ على سلوك ساركوزي كثرة اختلاطه بالطبقة الثرية، وفي الوقت نفسه بمجموعات تحيط بزوجته كارلا بروني، وأغلب أفرادها من الموسيقيين والمطربين المتواضعين. ويؤخذ عليه أيضا عدم احترامه وقار منصبه، بمعنى أنه لا يتصرف في المؤتمرات الدولية والمحافل الرسمية كما يجب أن يتصرف رئيس الجمهورية الفرنسية.

[[[

الواقع يشهد على كل حال بأن معظم الظروف المحيطة بساركوزي، وبخاصة مسألة إعادة انتخابه، غير مؤاتية، بل لعلها تؤثر سلبا على إمكانات فوزه في الانتخابات. اقتصاديا مثلا، دخلت فرنسا في عهده بأزمتين، أزمة داخلية لها علاقة بالأزمة العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة في نهاية 2007 وما زالت تمسك بخناق النظام الرأسمالي العالمي بأسره، وأخرى متصلة مباشرة بأزمة منطقة اليورو، وقد راح ضحية الأزمتين عدد غير قليل من حكام أوروبا في السنتين الأخيرتين، من هؤلاء سيلفيو برلسكوني، رئيس وزراء إيطاليا، وخوسيه لويس ثاباتيرو، رئيس وزراء إسبانيا، وتاسوس بابادوبولوس، رئيس وزراء اليونان.

كذلك استمر في عهد ساركوزي تراجع الناتج الصناعي الفرنسي وارتفع العجز التجاري إلى رقم قياسي لم تعرفه فرنسا من قبل، وبلغت نسبة البطالة 10 في المئة، وهي من أعلى النسب في المجتمعات الرأسمالية. كذلك وجهت مؤسسات التقييم المالي ضربة موجعة لساركوزي شخصيا وحكومته وفرنسا بأسرها، حين أعادت تصنيف ثقة السوق بالوضع الاقتصادي لفرنسا.

إقليميا، استمر انحدار مكانة فرنسا في أوروبا، وهي مسألة بالغة الأهمية بالنسبة للرأي العام الفرنسي، وتعددت أسباب هذا الانحدار، منها مثلا الصعود المتتالي والمتسارع لمكانة ألمانيا في أوروبا واستقرار اقتصادها ونفوذها السياسي في القارة على حساب نفوذ فرنسا، منها أيضا تدهور مكانة فرنسا التنافسية بسبب ارتفاع الأجور فيها وفداحة تكلفة الرعاية الاجتماعية والصحية مقارنة بألمانيا ودول أخرى. هذا الانحدار الاقتصادي دفع ألمانيا إلى أن تطلب من معظم دول أوروبا ومنها فرنسا التزام برامج تقشف، وفي حالات معينة لم تكتف حكومة ألمانيا بطلب التقشف فراحت تفرضه فرضا. كانت نتيجة التطورات الاقتصادية في فرنسا ومنطقة اليورو وتداعيات أزمات اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال أن اختل توازن القوى في القارة الأوروبية لمصلحة ألمانيا، وعلى حساب فرنسا.

ومع ذلك خرج المتفائلون بمستقبل ساركوزي متوقعين فوزه على منافسه الاشتراكي استنادا إلى تجربته الانتخابية الناجحة التي خاضها ضد سيغولين رويال، منافسته الاشتراكية في عام 2007. إلا أن بعض المراقبين يعتقدون أن المقارنة بين رويال ومنافسه الحالي فرانسوا هولاند ليست في محلها، فرويال افتقرت إلى الخبرة السياسية والشخصية القوية بينما يشتهر المرشح الاشتراكي الجديد بأنه «داهية كالثعلب»، وإن كان مهذبا ورقيق الحاشية على عكس ساركوزي.

[[[

حديث باريس هذه الأيام هو الدور الذي قامت به أنجيلا ميركل لدعم ساركوزي رئيسا لفترة ثانية. فالمعروف أنها تجاوزت حدود اللياقة السياسية عندما رشحته قبل أن يرشح هو نفسه. وترد ميركل على هذا الاتهام بقولها إنها ونيكولا عائلة سياسية واحدة، فقد دعمها عندما أطلقت حملتها الانتخابية الثانية في 2009، وهي الآن ترد له الجميل. لم يكن معروفا عن ألمانيا في السابق انتهاجها سلوكا من هذا النوع، إذ أن ما فعلته ميركل قد يتسبب في إغضاب هولاند إن فاز في الانتخابات وصار رئيسا لفرنسا، فضلا عن أن مجرد دعم ميركل لساركوزي في هذه المرحلة قد يضرّ بفرصته في الفوز، لأن ألمانيا لا تحظى هذه الأيام برضى معظم شعوب أوروبا، والشعب الفرنسي خاصة. لذلك يبدو معقولا الرأي القائل بأن ميركل دعمت ساركوزي لأنها ضد وصول الاشتراكيين إلى قصر الاليزيه وليس حبا أو ثقة فيه.

أعتقد أن ميركل لن تغفر لهولاند وعده للناخبين بأنه سيعيد النظر في اتفاقيات الإصلاح المالي لدول الاتحاد الأوروبي، وهي الاتفاقية التي يعتبرها الخبراء ركنا أساسيا في هيكل السياسية الأوروبية لألمانيا، ويعتبرها المعارضون الأوروبيون وثيقة إذعان تفرضها ألمانيا كعقد اجتماعي جديد بين حكومات الاتحاد الأوروبي وشعوبها، يضمن لأوروبا الاستقرار الاقتصادي ولكن بشروط قاسية للغاية، تتحملها الشعوب.

[[[

المؤكد، من وجهة نظري، أن أزمة اليورو وتداعياتها غيرت في منظومة قواعد السياسة في الاتحاد الأوروبي، إذ إنها «شرعت» حق التدخل الصريح والمباشر من جانب الدولة الأقوى في أوروبا والمؤسسات الاقتصادية الأوروبية في الشؤون الاقتصادية والمالية والاجتماعية لأي دولة أوروبية تعانى عجزا ماليا أو تهددها أزمة اقتصادية. لم يكن متصورا أن يأتي يوم تعود فيه ألمانيا إلى التدخل في أمور تتعلق بسيادة دول القارة، ولكنها فعلت عندما رشحت ساركوزي وهاجمت منافسه وعندما تدخلت لإسقاط بابادوبولس في اليونان وبرلسكوني في إيطاليا.

ورغم حالة عدم الرضى عن ألمانيا التي تسود أوروبا هذه الأيام، لا يزال في القارة رأي عام يخشى أن تتأثر العلاقة الفرنسية الألمانية في حال فوز الاشتراكيين الفرنسيين. يدرك الجيل الحالي من الأوروبيين أن استقرار القارة السياسي، وإلى حدّ ما الاقتصادي، الذي عاشت في ظله أوروبا معظم سنوات العقود الثلاثة الأخيرة يعود الفضل فيه إلى قوة العلاقة التي ربطت بين البلدين منذ أيام كونراد أديناور، وتدعمت في عهد هيلموت كول.

[[[

مهمة جدا الانتخابات الرئاسية الفرنسية ليس فقط بالنسبة لفرنسا. ولكن أيضا لألمانيا وأوروبا. ولكن الأهم من هذه الانتخابات هو مستقبل أوروبا التي تمرّ حاليا في أزمة لعلها، حسب رأى متطرف، الأخطر في تاريخها. يذهب هذا الرأي المتطرف إلى حد التساؤل عما إذا كان دور أوروبا قد انتهى أو قارب الانتهاء. أو أنها حادت عن طريقها ومسارها الرئيسي فخرجت إلى طرق فرعية وفي الغالب مسدودة. يستند أصحاب هذا الرأي إلى أن مسيرة التقدم في أوروبا توقفت خلافا لتوقعات وأيديولوجية الليبراليين والماركسيين الذين آمنوا دوما بأن التقدم لا يتوقف ولا يتراجع. ذهب المتطرفون في التشاؤم إلى حد مقارنة حالة أوروبا الراهنة بحالة الامبراطورية العثمانية في عام 1683، العام الذي دخلت فيه طريقا مسدودا وبدأت التراجع، وبحالة الامبراطورية الإسبانية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وبحالة الامبراطورية الرومانية المقدسة في القرن السابع عشر. في كل هذه الحالات أصيبت الامبراطورية بأنيميا حادة، واستمرت تضعف في إثرها مؤسساتها فتوقفت عن التوسع والازدهار. بمعنى آخر يتوقعون أن تستمر أوروبا، أقصد الاتحاد الأوروبي، مدة طويلة ولكن في وضع التجمد. ويدللون بأن جميع عناصر الانحدار الامبراطوري متوافرة الآن، وأهمها انخفاض معدل المواليد وعدم القدرة على زيادة الإنفاق العسكري وصعوبة تجديد الثروات القومية. وقبل هذا وذاك أزمة الثقة بين شعوب أوروبا وحكامها.

[[[

ستكون مفاجأة لكثير من المراقبين والسياسيين فوز نيكولا ساركوزي في وقت تثور فيه الشعوب لإسقاط حكامها.

 

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s