الرئيسية \
2012/02/25 الضفــّــــــــة الأخـــــــرى
مصائر الرأسمالية والتفاوت الاجتماعي
الكاتب : نيكولا بافيريز

سمحت العولمة بتقليص التّفاوت بين الدّول، لكن ليس بين أبناء الوطن الواحد. وبفضل الانطلاقة الاقتصاديّة لبلدان الجنوب الّتي يرتفع متوسّط نموّها منذ العام 1990 ليبلغ نسبة 5,2 في المئة، أصبحت تسهم في الإنتاج الصّناعيّ بنسبة 52 في المئة، وفي المبادلات العالميّة بنسبة 36 في المئة. وأتاحت هذه الانطلاقة أيضًا بروزَ طبقة متوسّطة تضمّ حوالى مليار شخصٍ، والحدَّ من فارق الثّروة بنسبة 28 في المئة لكلّ شخصٍ مقارنةً مع بلدان الشّمال منذ عام 1990. ولكنّ الفجوة تعمّقت في المقابل بين أبناء الوطن الواحد. إذ تشهد الصّين الّتي أضحت في خلال ثلاثين عامًا القوّة الاقتصاديّة الثّانية أشدّ تفاوتاً على المستوى الاجتماعي في العالم، إلى جانب روسيا. وفي البلدان المتطوّرة، عزّزت سياسةُ التّحرير الاقتصاديّ وخفضُ الضّرائب انتقالَ القيمة المُضافة إلى رأس المال، الأمر الّذي صبّ في مصلحة الأثرياء. ففي الولايات المتّحدة مثلاً، زادت مداخيل الأكثر حظوة، الّذين يشكّلون 1 في المئة من السّكّان، ثلاثة أضعاف منذ عام 1980 مقابل المداخيل المتوسّطة الّتي زادت بنسبة 40 في المئة فحسب، كما تضاعف فارق الرّواتب بين مدراء الشّركات والموظّفين الأساسيّين. وفي موازاة ذلك، تفاقم التّفاوت بين الوضع الاجتماعيّ والكفاءة، وتراجع التّكامل الاقتصاديّ، وتردّى أداء الأنظمة التّعليميّة، ما أدّى إلى جمود الحراك الاجتماعيّ.

كان اتّساعُ التّفاوت مقبولاً في الفترة الّتي سجّلت نّموًّا قويًّا، غير أنّه لم يعد كذلك منذ وقوع الأزمة وانتشار بطالة واسعة النّطاق، تطال نحو 15 في المئة من اليد العاملة النّشيطة (ومن ضمنها العمّال المُحبطون) في الولايات المتّحدة وأوروبّا. أمّا في البلدان النّاشئة، فتحويل النّماذج الاقتصاديّة إلى الأسواق الدّاخليّة يستتبع تطوير الاستهلاك، في حين أنّ التّدابير التّقشّفيّة واستعادة القدرة التّنافسيّة في البلدان المتطوّرة، تثير حكمًا مسألة العدالة الاجتماعيّة الّتي تشكّل أفضل قوّة رادعة في مواجهة انزلاق الطّبقة المتوسّطة نحو الشّعبويّة بعدما أنهكها الانكماش.

تبدو مكافحة التّفاوت الاجتماعيّ إذًا الحلّ الضّروريّ من أجل الخروج من الأزمة. لذلك، وضعت الصّين في خطّتها الخمسيّة الثّانية عشرة بند تخفيض نّموّها المفرط إلى نسبة تقارب 7 في المئة، فضلاً عن أنّ تراجع فقّاعات المضاربة يترافق مع تطوّر أكثر تناغمًا للمجتمع والأراضي. هذا وتتزايد التّحرّكات الاجتماعيّة المنادية بزيادة الأجور وبتحسين ظروف العمل في البلدان النّاشئة. أمّا في الولايات المتّحدة، فما زال دعم الانتعاش خاضعًا لتعافي الماليّة العامّة، وهي مرحلة يتخلّلها رفع الضّرائب (25 في المئة من إجمالي النّاتج المحلّيّ مقابل 35 في المئة في منظّمة التّعاون والتّنمية الاقتصاديّين). كما أنّ أزمة اليورو، الّتي ما زالت تطرح تهديدًا باحتمال حدوث كسادٍ عالميّ، تضع حدًّا للنّموّ الإئتمانيّ في البلدان المُثقلة بالدّيون من جهة، وللتّباعد الحاصل بين بلدان أوروبّا الشّماليّة وأوروبّا الجنوبيّة من جهةٍ أُخرى.

سيُحدَّد مصير الرّأسماليّة العالميّة بناءً لقدرتها على التّعاطي مع الأخطار النّظاميّة وما تولّده من تفاوت اجتماعيّ. وعلى الصّعيد العالميّ، يتمّ ذلك من خلال مقاومة منطق التّطوّر المستقلّ ومبدأ الحمائيّة اللّذين من شأنهما تعطيل النّموّ العالميّ وتطوّر بلدان الجنوب، لا سيّما في قارّتَي أميركا اللاّتينيّة وأفريقيا (اللّتين تحقّقان نموًّا سنويًّا يعادل تباعًا 5,2 في المئة و6 في المئة منذ عام 2000). وفي السّياق نفسه، ينبغي ضمان وصول سكّان العالم كافّة، البالغ عددهم سبعة مليار نسمة، إلى موارد الأرض، وعلى رأسها الخدمات المشتركة كالماء والهواء، إضافةً إلى شبكات المعلوماتيّة.

 
المصدر : Le Monde
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s