الرئيسية \
2015/04/29 المعـــــــادلة الصـــــــعبة
حرب اليمن
الكاتب : يزيد جرجوس

    لم يكن أكثر المتشائمين من الوضع العربي ليتوقع قبل بضع سنوات فقط، أن الدول والمجتمعات العربية ستدخل مرحلة التدمير الذاتي التي تعيشها اليوم تحت عنوان "الربيع العربي". أما الأمر الذي كان أكثر بعدا عن خيال وعن وعي العرب، فهو رؤية الجيوش العربية، أو بعضها، تتحرك وتنفض عنها غبار المخازن، وطائراتها تطير لأول مرة منذ شرائها، ولكن لتضرب دولة عربية لم تعتدي على أحد، ولم تبادر بأي سلوك استفزازي لا في البر ولا في البحر ولا في السماء. إنها فعلا صورة سيريالية تشبه لوحات الفن التشكيلي الخارجة عن الواقع تماما.

  لقد جاء الحدث اليمني مفاجئا وصادما لأننا اعتدنا أيضا على التحمية وقرع الطبول، إن صح التعبير، قبل الحروب في منطقتنا. ثم إن المواطن العربي والمحلل السياسي العربي لم يعتادا على رؤية دول الخليج تتصرف "بحزم" وبمبادرة وبسرعة كما بدت في هذه الحرب التي شنتها على جارها الأكثر فقرا، والأكثر حاجة للتنمية بدل التدمير، والذي شكل العمق البشري لهذه الدول، التي كان يمكن أن تستفيد منه كعنصر ينسجم مع تركيبتها المجتمعية، من أجل رفد الكثير من القطاعات الحيوية كالإنتاجية والأمنية(الشرطة)، بدلا من الاعتماد على العنصر الآسيوي الأسوأ، ومنحه الجنسية في كثير من الأحيان. فلماذا اندفعت دول الخليج لضرب اليمن بزعامة السعودية وجرت معها أكثر من دولة عربية وإقليمية!

  تسارعت التحليلات حول الموضوع، ورغب الجميع بربط الحدث بإيران، واعتبره البعض "ترضية لدول الخليج مقابل التقدم الحاصل في المفاوضات النووية". وهذا تصور يشكو من خلل بنيوي من جهة، ومن سوء في القراءة من جهة أخرى. فهو ينطلق من "مسلَّمة"-وهي غير ذلك بالتأكيد- أن دول الخليج "مولعة بالاعتداء العسكري على الدول" وبالتالي سيشكل منحها تلك الفرصة "ترضية" لها. طبعا نحن ومهما اختلف تقييمنا للسلوك وللمواقف السياسية لهذه المنظومة، ولكنها بالتأكيد ليست دول محاربة، ولا تهوى الحرب، بل على العكس هي دول مسالمة وجبانة، ولطالما رفعت شعار "السلم والتنمية" في وجه دعاة المقاومة والتصدي للعدو الإسرائيلي، والأمر سينعكس مباشرة على الوضع الاقتصادي والأمني لهذه الدول، وربما أكثر من لو كانت تواجه أو تدعم مواجهة الكيان الصهيوني، ذاك أن المواجهة اليوم في قلب الجزيرة، ناهيكم عن التداخل المجتمعي الكبير بين اليمن وكل دول الخليج، وكان تهاوي أسواق المال الخليجية وسيكون خير تعبير عن ردة الفعل الأولى للأسواق إزاء هذه الحرب. فهي دول تعيش على وقع المال والأسواق، والثقة والإئتمان كما تروج هي. أما من جهة القراءة، فإن هذه العائلات الحاكمة في الخليج لم تكن ولا مرة بوضع يسمح لها بالتدلل على صانع القرار الأميركي، حتى يضطر إلى تعويضها عن أمر(اتفاق أميركي إيراني) هو أصلا يقوي موقف الأميركي والإيراني –لو حدث- وبالتالي يضعف موقف الحاكم الخليجي أمام التوازن الدولي، ويدفعه للمزيد من الانصياع للرغبات الأميركية من أجل ضمان رضى الأميركيين وحمايتهم.

  كلمة "الانصياع" هي مفتاح السر في المسألة، فهذه دول تنصاع للإدارة الأميركية تماما. أيضا وهنا نصحح القراءة في المشهد، ولأن المفاوضات النووية لا تسير نحو التسوية كما يروج، وسوف لن نرى دخانها الأبيض ولا خلال سنوات، والحدث الذي تم الترويج له نهاية آذار على أنه "اتفاق" لم يكن سوى إعلان عن الرغبة بالاستمرار بالمفاوضات، واستمرت التهديدات والتفسيرات المتناقضة "للاتفاق" تماما كما كان يحدث منذ أكثر من عشر سنوات وعند كل جولة مفاوضات، فلم يكن هناك من جديد في هذا التطور خلا اللغة المتقدمة نوعا ما في الحديث نفسه عن الاتفاق، والتي مكنت الروس بعده من تطوير علاقتهم العلنية مع الإيرانيين، وأعطت هامشا أيضا لبعض الغربيين للتصرف بأريحية تجاه إيران. ولأن كل ذلك يصب في مصلحة إيران وحلفائها فإنه يبدو أن دول الخليج تلقت الأمر بضرب اليمن بعد تمدد ما يعتبره الأميركيون "النفوذ الإيراني" في اليمن، عبر إسقاط الحكم الذي رتبوه بالشراكة مع ذراعهم الأول هناك المملكة السعودية، وبالتالي لزم الضغط على إيران وكل المنظومة المواجهة للمخطط الغربي في المنطقة، ولذلك جاء الضغط أيضا في سوريا شمالا وجنوبا عبر تركيا والأردن، بعد أن فقدت الجبهة الشرقية قدرتها على التصعيد على وقع التقدم العراقي في محاربة داعش، ونضوج نتائج التنسيق السوري العراقي. المسألة تأخذ بعدا في العلاقة مع كل مجريات المواجهة المصيرية في المنطقة، وهي لا تندرج فقط تحت الملف النووي، الذي هو ليس أكثر من أحد عناوين المواجهة، وتكتيكات الضغط الغربي على الحلف الشرقي. المنطقة بحاجة المزيد من الفوضى حسب رغبة  الأميركيين، الذين كان مشروعهم المعلن هو الفوضى، وعندما تضطر دول لم تحارب قط إلى التدخل العسكري وفي حاضنتها هي الشعبية والجغرافية، فهذا لأن التدخل "الناعم" الذي كانت تصرف فيه المليارات فشل، وعليه تقوم بالتدخل العسكري. والمثير للسخرية هنا أن من يتدخل بأقسى وأوقح أشكال التدخل بدولة اليمن، هو يقوم بذلك تحت حجة أن هناك طرف آخر، هو إيران، يتدخل سياسيا في ذلك البلد المنكوب.

  أما عن المستغرب الآخر في الحرب، وهو الدعم والاستعداد المصري للدخول فيها، فإن هذا التعجب يأتي بناء على قراءة متعجلة لموقف ولحقيقة الرئيس المصري السيسي، فهو كما كتبنا عنه أثناء توليته للمنصب "يجب أن لا ننسى أن الفريق السيسي هو رئيس يتم إعداده في الخارج" وهو ربما يجد فرصة ذهبية ليس فقط لاستجرار المال الخليجي، ولكن أيضا لترميم العلاقة مع تركيا التي بالتأكيد ستركب معه في قارب العدوان الخليجي على اليمن، وانطلاقا من ذلك، سيحقق ما هو أبعد من هذا وذاك، وهو تحقيق استيعاب ما وتوحيد ما لجبهته الداخلية، مع إعطاء هذا الطابع المذهبي خليجيا للحرب على اليمن، والذي سيطرب نفوس الإخوان المجرمين في مصر وبقية دول المنطقة، وفي هذا آلية براغماتية مصلحية تنسحب على الكثير من الدول وعلى رأسها الأردن.

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s