الرئيسية \
2015/12/22 المعـــــــادلة الصـــــــعبة
الشمولية الثالثة (THE THIRD TOTALITARIANISM)
الكاتب : ألكسندر دوغين. ترجمة مازن بلال

((ترجمة ما يقدمه ألكسندر دوغين هو مغامرة حقيقية، فهو يخلق المصطلحات معتمدا على سياق نظري معمق، ومن جانب آخر يزرع الدهشة من خلال تحليل لوضع نظريته السياسية في مواجهة عالم تتبلور فيه الليبرالية كحالة مسيطرة، ولكن المقال في نفس الوقت يُظهر التحدي الذي تواجهه قضية إنشاء عالم متعدد الأقطاب، فألكسندر دوغين لا يقدم نظرية سياسية فقط بل اتجاه عام يمكن لـ"أوراسيا" أن تسير فيه.))

يلحق  في العلوم السياسية  مفهوم الشمولية بالأيديولوجيات الفاشية والشيوعية؛ التي تعلن صراحة تفوق تام (للطبقة والمجتمع في الشيوعية والاشتراكية؛ الدولة في الفاشية؛ العرق في الاشتراكية القومية) على الفردانية

إنهم يعارضون الأيديولوجية الليبرالية التي على نقيضهم ترفع من الشأن الخاص (الفردي) فوق الجميع (وكأن المجموع لا يمكن فهمه بذاته). تحارب الليبرالية بعد ذلك "الشمولية" بشكل عام؛ بما فيها الشيوعية والفاشية.  وبهذا الشكل فإن مصطلح الشمولية يكشف عن علاقته مع الإيديلوجية الليبرالية، فلا الشيوعيون ولا الفاشيون يوافقون على هذا المصطلح. فكل من يستخدم  كلمة الشمولية هو ليبرالي؛ بغض النظر عن وعيه حول هذا الموضوع.

للوهلة الأولى تبدو الصورة واضحة تماما دون أي غموض – الشيوعية هي الشمولية الأولى، والفاشية هو الثانية. أما الليبرالية فهي على النقيض من ذلك عبر نكرانها للمجموع وإعلائها للفردية. إذا توقفنا هنا سندرك بأن العصر الحديث أفرز اثنان من النظم الشمولية – الشيوعية (الاشتراكية) والفاشية (النازية)، مع اختلافهما بفوارق بسيطة. ولكن الليبرالية، كنظرية سياسية سبقتهما وتفوقت عليهما، لا يمكن أن يطلق عليها شمولية. من هنا فإن تعبير "الشمولية الثالثة"؛ مما يعنيه من توسيع للإيديولوجيات الشمولية، ليشمل الليبرالية، وسيكون بلا معنى.

مع ذلك، يمكن أن يظهر موضوع "الشمولية الثالثة" جيدا في سياق علم الاجتماع الكلاسيكي الفرنسي (مدرسة دوركهايم) وذلك في فلسفة "ما بعد الحداثة". يُبقي علم الاجتماع عند دوركهايم مسألة محتويات الوعي الفردي التي تتشكل تماما على أساس الوعي الجماعي. وبعبارة أخرى، لا يمكن إلغاء الطابع الشمولي لأي مجتمع، بما في ذلك الفردانية والليبرالية. وبالتالي فإن وضع القيم الفردية في المرتبة العليا وقياس الأمور على أساسها (الليبرالية) هو تسليط للضوء على المجتمع، وهو شكل من أشكال السلطة الشمولية والتحريض الإيديولوجي. إن الفرد مفهوم اجتماعي – بدون المجتمع، إنسان قائم بذاته لا يعرف إذا كان يمتلك هذه الفردية أم لا، وما إذا كانت النزعة الفردية أعلى قيمة أم لا. الفرد يتعلم أنه فرد، شخص خاص، فقط في مجتمع تهيمن عليه الأيديولوجية الليبرالية كبيئة وظيفية لهذه العملية.إذا نحن أمام نفي الواقع الاجتماعي مع تأكيد أن الفرد الواحد يملك بذاته طبيعة اجتماعية. فالليبرالية كنتيجة لما سبق أيديولوجية شمولية تصر، من خلال الأساليب الكلاسيكية للدعاية الشمولية، أن الفرد هو الغاية العليا.

إنها بداية للنقد السوسيولوجي للمجتمع البرجوازي، ليست اجتماعية بالكامل إنما من وجهة نظر علم الاجتماع، رغم أن هناك تقارب في فرنسا والاشتراكية الغربية وعلم الاجتماع نحو نقطة تجعلهم متطابقون (على سبيل المثال، في نموذج بيير بوروديو). ضمن هذا المعنى يثبت الطابع الشمولي لليبرالية علميا، ويكتسب مصطلح "الشمولية الثالثة" تماسكا منطقيا عوضا عن كونه مفارقة صادمة. من الآن فصاعدا هناك سلسلة من المفاهيم الاجتماعية، مثل "التجمع المعزول" (la foule solitaire - David Riesman) وغيرها.

أصبح المجتمع الليبرالي؛ المعارض بذاته للكتلة الاجتماعية الاشتراكية، كتلة متناسقة موجهة ومتحد نمطي. وكلما زاد طموح الإنسان في سياق النموذج الليبرالي للخروج عن المألوف، زاد تماثله مع الآخرين. ما جلبته الليبرالية بذاتها هو صورة نمطية متسقة ودقيقة للعالم، وتدمير للتنوع والتمايز.

هناك من جانب آخر فلسفة ما بعد الحداثة. حيث تثار مسألة شخصية الفرد ضمن النشاط لتأصيل جذري لكامل الحداثة. وحسب رأيهم فإن الفردية مرادف للشمولية، لكن بعد تحويلها إلى مستوى جزئي (صغري micro). الفردية هي "شمولية – جزئية" تشكل مخطط "جهاز القمع"  الذي تقوم الشمولية الاعتيادية ببنائه على مستوى "الفردية" و "دون الفردية". شرح ما بعد الحداثيين، وبروح مدرسة فرويد، السبب في أن جهاز القمع والعزل والإسقاط تميز الدولة الشمولبة التي تمنع حرية المواطنين وتفرض عليهم وجهة نظرها الخاصة. اذا الفرد مفهوم، فهو إسقاط للتهميش والعنف في المجتمع الشمولي ضمن أدنى مستوياته. ويتم باستمرار كبت الرغبات والقوى الابداعية الفردية. الأهم من ذلك كله، أن ما بعد الحداثيين يبعدون الشمولية الاجتماعية – الفاشية والشيوعية – فقط بسبب الهيكلية الهرمية الصارمة للفرد العقلاني. وبالتالي، مفهوم الشمولية الليبرالية كـ "شمولية ثالثة" يحمل مشروعية ومعنى مكتمل.

من هنا فإن الليبرالية نظام شمولي وإيديلوجية عنيفة، ووسيلة للقمع السياسي المباشر وغير المباشر، عبر ضغوط تعليمية ودعائية شرسة، وإعلان نفسها بأنها غير شمولية هو إخفاء لطبيعتها. إنها حقيقة علمية . الشمولية الثالثة متسقة تماما مع  البناء النظري  لمفهومها السياسي.

تقبل النظرية السياسية الرابعة بشكل كامل هذه الفكرة، وذلك عندما تمنح إمكانية الرؤية للصورة الإجمالية التي توحد جميع النظريات السياسية الكلاسيكية الثلاثة للحداثة – أ) الليبرالية وب) الشيوعية والنزعة القومية ج) (الفاشية). فرغم التمايزات فيما بينها لكنها كلها شمولية. يكمن الحق في سياق آخر، حيث تكشف النظرية السياسية الرابعة الطابع العنصري للنظريات الثلاث: العنصرية البيولوجية للنازية، والعنصرية الطبقية للماركسية (التقدم العالمي والتطور) العنصرية الاستعمارية والحضارية والثقافية لليبراليين (التي كانت واضحة وستستمر حتى منتصف القرن 21 دون وعي– انظر جون هوبسون في "تصور أوروبي لتوجه السياسة العالمية"). ترفض النظرية السياسية الرابعة  الشمولية – الشيوعية، الفاشية والليبرالية. الشمولية الثالثة (النموذج الليبرالي) هي اليوم الأكثر خطورة لأنها المسيطر الأوحد . وطالمعركة ضدها مهمة أساسية.

بغض النظر عن الإيديولوجيات السياسية الثلاثة للحداثة تقترح النظرية السياسية الرابعة فهما متكاملا للمجموع وأجزائه. ويمكن أن يسمى هذ الفهم الوجود للتعايش  (Mit-sein وفق استخدام هيدجر). لكن هذا الفهم  الوجودي هو للكينونة (Dasein)، فلا وجود للذرة (الأجزاء، الفردية) ولا لمجموع الأفراد (الشمولية). في النظرية السياسية الرابعة(4PT)  الاجتماع هو وسيلة الوجود، ولتشكيل حضور – وجود حي في مواجهة الموت. نحن معا فقط في مواجهة موتنا. الموت شأن شخصي في العمق، وفي نفس الوقت فيه شيء مشترك يؤثر على كل واحد منا. لذلك هناك ضرورة للحديث عن الطابع الكلي العضوي للوجود، وليس عن الشمولية (تصور ميكانيكي يربط بين ا؟لأجزاء والكل).وهذا ما يسمى  الشعب... كينونة موجودة في القومية.نحن الشعب معارضون بجلاء للشمولية الثالثة، مستمرون بالعيش معا حتى الموت .

المصدر:

http://www.4pt.su/en/content/third-totalitarianism-critique-fourth-political-theory-stand

 
المصدر : 4pt.su
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s