الرئيسية \
2016/01/19 المعـــــــادلة الصـــــــعبة
السعودية.. توطين الصراعات
الكاتب : مازن بلال

   من الصعب فهم طبيعة التحركات السعودية قبيل مؤتمر جنيف3، فهي تتعامل مع سياق الأحداث وفق حرب معلنة وتعبئة دبلوماسية واسعة، وظهر خلال مؤتمر وزراء الخارجية العرب الأخير طبيعة الصراع الذي تخلقه الرياض؛ كمعركة على هامش التوافقات الدولية بشأن سورية وشرقي المتوسط عموما، لكن قراءة الدور السعودي تعطي مؤشرا وحيدا من خلال محاولتها تشكيل محور يعاكس الأحداث، والرهان على فتح مساحة التوتر لاستنزاف الجهد الديبلوماسي بالدرجة الأولى، فالتصعيد مع إيران هو المسار الذي تريده لإيجاد تحالفات تساعدها على صياغة دورها الإقليمي من جديد، والاستحقاق الذي تواجهه يبرز في مسألة تحويل المنطقة باتجاه محور مقبول أمريكيا، حتى ولو أدى الأمر إلى صدامات عنيفة سواء في العراق أو لبنان أو غيرها من المناطق.

   عمليا فإن الرياض بدأت بخلق تحالف عربي – إسلامي مع بداية الحرب في اليمن، وظهر في مسار الحرب أن هذا الحلف لا يهدف إلا لتأكيد المرجعية السعودية في المنطقة، ثم تحول هذا التحالف باتجاه "محاربة الإرهاب" من خلال تكتل إسلامي، وانتهى بمجلس للتعاون الاستراتيجي مع تركيا، فالخيارات التي واجهتها المملكة لم تكن متغيرة بل عاجزة عن إيجاد أرضية حقيقية لأي تحالف، وهو ما دفعها باتجاه أنقرة التي تواجه أزمة على المستوى الداخل والإقليمي، وهناك مؤشرين أساسيين في تطور التعاون التركي – السعودي:

-       الأول أنه ظهر مباشرة بعد تحول علاقات أنقرة مع "إسرائيل"، ورغم التنسيق الدائم على مستوى الأزمة السورية لم ينقطع بين أنقرة والرياض، لكن التطور اللافت هنا هو في نوعية الخيارات الاستراتيجية، فالدور الإقليمي السعودي أصبح ضمن سياق آخر يتضمن إيجاد جبهة مشتركة ستضم لاحقا "إسرائيل" وبشكل معلن.

-       الثاني خروج السياسة السعودية باتجاه تصور جديد لاستراتيجيتها، فالرياض لا تواجه فقط حربا في اليمن بل أزمات متعددة على مستوى أسعار النفط وتبدل طبيعة العلاقات في المنطقة، وهذا الأمر سيغير الحسابات الإقليمية بشكل جذري وعلى الأخص تجاه "إسرائيل"، فلم تعد السعودية تسعى إلى التوازن في مسألة "الوجود الإسرائيلي"، لأنه أصبح اليوم ضروريا لتكريس دورها وربما بقاء نظامها بكل ما يمثله من تجمعات لإمارات تمثل جناحا سياسيا مستقرا منذ بداية القرن.

   بالتأكيد فإن العلاقة بين السعودية و "إسرائيل" لم تكن تملك نموذجا واضحا، فهناك تلاق استراتيجي دائم بينهما فرضته طبيعة كل منهما وهو ما دفع الرياض إلى طرح مبادارت تسوية، وإلى ظهور مستوى "استخباراتي" على أقل بين الطرفين ولاعتراف ضمني سعودي بـ"إسرائيل" ليس كأمر واقع بل لكبح جماح المدق القومي في خمسينيات القرن الماضي، وصعود المقاومة خلال العقدين الأخيرين، وما يسهل التحرك السعودي اليوم هو انهيار النظام العربي، ومحاولات تحييد مصر من الصراع القائم حاليا، الأمر الذي سيدفع التحالف بين أنقرة والرياض نحو نقطة متقدمة من خلال الاستناد إلى "إسرائيل" ضمن هذا التحالف، فهذا الخيار هو الوحيد بالنسبة لها لضمان إنشاء محور جديد في شرقي المتوسط.

   وتبدو مخاطر احتمال ظهور هذا المحور متنوعة؛ لأنه سيسعى إلى تفكيك عوامل القوة في المنطقة ابتداء من مصر وليس انتهاء بدول الخليج نفسها التي ستجد نفسها ضمن جغرافية للصراع يتسع ويتطور، وهناك نقطتين توضحان نوعية التفتيت الذي يمكن أن يضرب المنطقة نتيجة احتمالات ظهور هذا المحور:

1.    التناقض الداخلي في بنيته، فهو يقوم على صراع داخلي يبدء بمسائل التكفير الذي يقوم عليها الفكر الوهابي؛ حتى للسنة بمن فيهم الأتراك، ومرور بالاستراتيجية الإسرائيلية في مسألة يهودية الدولة، وينتهي بما يطمح إليه حزب العدالة والتنمية بشأن "العثمانية الجديدة".

2.    النماذج التي شهدتها المنطقة نتيجة الاستراتيجية السعودية حتى اللحظة تقدم صورة للتدمير الذاتي، فالحروب في المنطقة لا يغذيها البترودولار فقط بل هي قائمة لإحداث تحول في بنية الدول، لتصبح منطقة صراعات الأمر الذي سيساعد على نشوء تحالفات تتوافق مع استراتيجية الرياض.

    الأزمة اليوم هي في مأزق الاستراتيجية السعودية التي تحاول تجميع قوى إقليمية في تحالفات هامشية، وهذا الاتجاه سيقود إلى "توطين الصراعات" في المنطقة ولاستنزاف اقتصادي وبشري، والأهم أنه سيخلق جغرافية عازلة ستبعد الخطر عن "إسرائيل" لكنها بالتأكيد لن تبعده عن السعودية لأنه في عمق الصراعات القائمة.

رابط المقال:

http://alazmenah.com/?page=show_det&category_id=9&id=116964&lang=ar

 
المصدر : الأزمنة
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s