الرئيسية \
2015/11/14 مساحة أنثى
مجرد مواطن
الكاتب : نضال الخضري

   خلال مذابح راوندا كانت بعض التصورات تشكل حاجز خوف، فالقدرة على استخدام القسوة بدت مثل الكابوس الذي يصفع أي إنسان اعتاد اعتبار "الكوارث" أمرا طارئا، بينما بدت الأحداث وكأنها لحن جنائزي دائم لا يستطيع الإنسان الاعتياد عليه رغم إيقاع الرصاص والرغبة في دفع الموت ليصبح عنوانا دائما... ولكن "راوندا" تحولت من خبر إعلامي إلى "لفحة" كآبة تلف "اليوميات السورية"، فلا سبب حقيقي لإدمان القتل أو للسير نحو الرغبة في تشكيل "الدمار" كبيئة نجلس في منتصفها، ثم نبحث عن "متهم" قادر على تحمل كل الغضب في داخلنا.

   ربما كانت "راوندا" مجرد صورة إلا أننا نكتشف ذلك الطبع الحاد الذي يجعل الإنسان أداة عبثية، فيؤرقنا عدم استطاعة التراكم الحضاري في سورية على حمايتنا، وتصبح الحروب دربا واحدا لا تخترقه كلمة أو شريعة أو إرث فني منتشر على مساحة الأرض التي نألفها، فانقلاب الإنسان السوري هو الأزمة التي واجهناها على امتداد الخمس سنوات الماضية... انقلابُ نحو أي غريزة مهاجرة إلى أرضنا، وانهيار لرؤية كنا نتسلح فيها وكأنها تعويذة تحمينا؛ لكن على ما يبدو فإن الحضارات لا تستطيع أن تكبح الفوضى التي تجعل مجتمعا ينقسم ما بين ضحية ولاجئ، وتجعل الوهم أقوى من الهوية فننتقل باتجاه مسافات أبعد علها تسعفنا بسكون جديد أو موت على قارب يترنح فوق مياه المتوسط.

   في سورية تجاوز لكل النماذج التاريخية؛ لأنها رغبة في الضياع باتجاهين: الأول هو فقدان الإحساس بإن الأرض تتجاوز السلطة السياسية، وبأن المجتمع تركيب هش يمكن لبعض "نجوم الإعلام" تحطيمه قبل الجلوس على طاولة المفاوضات، والاتجاه الثاني هو البحث في المنفى عن صورة جديدة... أليس غريبا أن كل الحدث السوري منقسم ما بين الداخل والخارج؟!! من المعارضة والمؤتمرات وصولا إلى الطاقة المبذولة في استيعاب اللاجئين، ومن الصور الأولى التي أرادوا اقناعنا بأنها لشهود عيان، فكانت ترتج وتترنح دون القدرة على معرفة ما يحدث ضمن حلقة العدسة المفرغة، إلى التكوينات الفارغة التي تبدو بهيكلة احزاب ومؤسسات وشخصيات تتربع على طاولة التفاوض....

   إنسان "راوندا" لم يكن مثقلا بصراع الحضارات، ولا بالخلافات المذهبية والفتاوى والتصريحات، بينما يُصفع السوري يوميا بكل أشكال التشويش، وهو على امتداد خمسة سنوات  اعتاد البقاء ضمن تصورات نهائية... ففي الأزمة السورية لم تكن "الحرب الأهلية" مصطلحا مقبولا لأن ما حدث هو انهيار تصورات الأفراد، وربما انكشاف هشاشة التصورات التي نحملها عن أنفسنا، فورثة الحضارات لم يشكلوا المعرفة بل سكنوا التاريخ، وفي وجوه أبناء سورية اليوم ملامح الدهشة من تحولات أنهت عالمهم القديم بينما بقي القادم محكوما بنجوم السياسة الذين تنحوا جانبا عندما كانت الفوضى تكتسح المجتمع السوري.

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s