الرئيسية \
2015/12/06 مساحة أنثى
في الحرب وبرد اللحظات
الكاتب : نضال الخضري

ترتعش الروايات في الحرب، وتتهدل شفاهنا أمام عقم التفسيرات التي تتجاوزنا فتترك فينا ندوباً تشهد بأننا عايشنا الصقيع، واكتوينا باحتمالات يصعب وصفها، ففي لحظة تلفحنا خطوات الشتاء فنتعلم أن حمى القذائف لا يمكنها إعادة الروح لجسد يتصلب من الصقيع، فالحكايا لا تنتهي والسطور المرمية على صفحات الفيس بوك لا تحمل توقيعاً لشاهد العصر، فالشهود هم ظلال لبشر يترقبون العواصف ويدركون أن برد الحرب يصعب رسمه بكلمات سريعة.

   من الممكن أن نسترجع "الثلج" الذي رحل، وليالي "العتم" التي وطأت على أحزان البشر، ولكننا مع أي شتاء قادم نتقلب فوق الفوضى التي يُراكمها الصقيع على الأصابع، فلا نعرف هل الألم من مرض مزمن أم من عدم القدرة على دفع البرد الذي يلفح المسامات، أو ربما من قسوة التكسير الذي يدوس على ذروة الأنف فتتهدل الوجنات أو يحاول دفع  الدفء نحو المقلتين، فمن لم يمسه البرد والحرب يبقى خارج الزمن السوري المستنفر منذ خمس سنوات.

   في حمّى الأزمة المستلقية على أعصابنا نركض لنحصي الضحايا، ويتساقط من بين أصابعنا ألم لا يكفيه إحصاء الأرواح ولا الصور التي يتحفنا البعض بها لمظاهر المعارك، فالحرب الحقيقية هي مع الحياة التي قررت دفع قسوتها نحو الوجوه، فتلفحنا بالبرد أو تشدنا للقلق، أو تكتب "الجوع" على زند رجل كان يحلم قبل سنوات بأن يخطفه عشق جارف، ففي المدن لا يمكن تصور الدمار الذي لا تراه العيون، لأنه يتستر بين انثناءات الجسد المتخشب، وفي احتجاب العين عن ضوء لا يستطيع دفع البريق مجددا إلى الأحداق، فالصقيع يكرر نفسه ليجعل التصلب جزءاً من التفكير بالتفاصيل اليومية.

    ما تبقى من الوطن السوري لفحة ألم وبرد، وضحايا على قيد الحياة وصور لنزوح جماعي نحو القهر المتراكم منذ أن هوى الدفء وتكسر فوق لوح جليد يصفه البعض بالحرب، بينما تكبر اللوحات القاتمة التي تجعل من الحلم عودة تاريخية لاكتشاف النار، ولجعل عتمة الليالي لحظات خصب تفيض حنيناً نحو أرض أكلها الصقيع، وكونها الدمار ضمن تراجيديا تنتظر من يكتبها خارج نشرات الأخبار اليومية.

   وإذا أردت وصف الصقيع فسأبقى أفتش في زمن الحرب عن إمكانية اكتشاف لون، واحتمال العودة إلى الرغبة في إشعال الحب والمدافئ، فأسترجع وجوه الأطفال في التيه الأبدي، والإناث في بحثها عن حضن طري، والذكور عن لفحة حب توقف المد السيبيري والقطبي والغربي و..... فألملم الحرب لأجعل الحياة ممكنة، وليصبح البرد طارئا أتخيل أنه يرحل لبلاده التي جاء منها وجعل مني ومن سوريا محاولة إنسانية فريدة لتذكرِ ما يعنيه الشتاء وسط إمكانية الدفء الذي يُرتبنا في مجال من الخيال والإبداع.

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s