الرئيسية \
2015/09/09 اليـــــــــوم الســـــــــوري
سليمان سليمان

سليمان . ع . سليمان : خريج كلية القانون بجامعة دمشق وكليّة القانون بجامعة بواتييه بفرنسا. يختص حالياً في مجال الملكية الفكرية. باحث في مجال العدالة الانتقالية ومهتم بقضايا الانتقال السياسي-القانوني وبفلسفة العدالة. عضو مؤسّس للجمعية الفرانكفونية السورية في بواتييه.

تقسيم جديد ؟

ولدت سوريا التي نعرفها مطلع القرن العشرين، واستمرت بالتقلّص بعد اقتطاع جنوبها 1916 وإنشاء دولتين: إسرائيل والأردن. لتتصرف فرنسا بمنطقة النفوذ الفرنسي بالتنازل عن لواء الاسكندرون 1939 لتركيا، وإنشاء دولة لبنان. في حين فشلت محاولة تقسيم سوريا إلى كيانات أصغر تحت عباءة فدرالية.

بعد الاستقلال تغيرت الجغرافية السياسية بتمدّد اسرائيل واحتلالها جزء من جنوبي سوريا ثم جنوب لبنان. وتدخلت سوريا عسكريا في لبنان إثر الحرب الأهلية اللبنانية. واستمرت حالة من الوصاية على لبنان قبل أن يتم الانسحاب العسكري وتبادل السفارات 2008.

عام 2004 اندلعت انتفاضة كردية شمال شرق سوريا (ما تزال تفاصيلها غامضة)، انتهت بقمعها وراجت اتهامات النزعة الانفصالية للسوريين الكرد.

بعد مارس 2011 تحول الحراك الشعبي بشكل متسارع إلى عنف دامي وصولا إلى حالة الحرب. بالنتيجة، تم فعليا وبحكم الواقع انتزع سيطرة الحكومة على جزء من إقليم الدولة، وتعدى الأمر نزع سيطرة الدولة إلى إحلال سيادة اخرى محل السيادة السورية: داعش في الرقة، تحالف الميليشيات الإسلامية في الشمال والجنوب، الكرد في شمال شرق البلاد وجزء من الشريط الحدودي مع تركيا.

خلال سنوات الأزمة، تتصاعد من حين لآخر مقولات التقسيم أو الانفصال. لكن فكرة التقسيم عادت للصدار مؤخرا في سياق سياسي يتبدل في عدة اتجاهات.

هناك عدة أفكار تتعلق بالتقسيم:

1. ليس شبحا بل خطراً حقيقيا: والسبب أن المراحل الانتقالية عموما التي تترافق بعنف واضطراب وتضعضع في الهوية الوطنية هي فترات مناسبة لإعادة تغيير الجغرافية السياسية، والشواهد كثيرة وهاكم بعضها: الانتقال الأرجنتيني ترافق مع حرب الفوكلاند وإعادة الاحتلال البريطاني إليها؛ الانتقال اليوناني ترافق مع الغزو التركي لشمال قبرص؛ الانتقال الكمبودجي ترافق مع التدخل العسكري الفيتنامي؛ الانتقال في لبنان ترافق مع التدخل العسكري السوري... في كل مرة يرتبط فيها الانتقال السياسي بالعنف، تكون المناسبة لتقسيم أو لتدخل أجنبي واحتلال أراضي وتغيير الواقع على الأرض، فكيف في حالة تكون معها البيئة الشعبية مؤاتية لمثل هذا الأمر: النزعة الاستقلالية لدى الكرد، النزعة التدخلية وربما الاحتلالية لتركيا، والبيئة المرحبة بل والمنتظرة لذلك.

2. هناك إيجابية لا بد من الإقرار بها، وهي أن وحدة سوريا أمر تكاد تجمع عليه الأطراف السياسية، فنحن نرى أن التقسيم وإقامة كيانات او دول هي تهمة يوجهها كل طرف لنزع الصفة الوطنية عن الآخر: المعارضة تقول ان النظام يسعى لإقامة دولة علوية أو دولة للنظام في المناطق التي يسيطر عليها؛ والبعض يتهم الكرد بهذه النزعة الانفصالية، وجهات محسوبة على النظام تتهم المعارضة بمحاولة اقتطاع جزء من البلاد لصالح تركيا عبر تحركها في الشمال ورفع العلم التركي وتبني الليرة التركية ناهيك عن الاعتماد الكبير على السوق التركية ووجود جالية سورية كبيرة في تركيا من ذوي العناصر المسلحة أو من بيئة العمليات العسكرية.

3. التقسيم ليس موضوعه تأسيس دويلة على حساب الوطن الأم، فإذا ما فهمنا التقسيم وفق معايير أخرى، نراه أمرا واقعا:

* سعي الميليشيات الإسلامية إلى إقامة إمارات إسلامية، وسعي تنظيم داعش إلى تكريس وجوده كدولة؛

* تغيير المناهج الدراسية في أكثر من مكان في سوريا؛

* تغيير العملة الوطنية أو المساعي لتحقيق ذلك في الشمال السوري..

هذه مظاهر لحالة تقسيم واقعية للسيادة الوطنية، وإن لم تترافق بنمط يوغسلافي تتشظى فيه الدولة إلى دول. وهذا يذكر بالمآل الصومالي حيث تقتسم السيادة الجغرافية والسيادية للدولة ميليشيات أمراء الحرب.

4. مسألة التقسيم يجب أن تقرأ في ظل الوحدة الوطنية: هل هناك وحدة وطنية؟ في حال تزعزعها هل إعادة إحياءها وتاكيدها أمر ممكن ام بات مستحيلا؟ ما هي الهوية الوطنية الجديدة الجامعة؟

يمعنى أن الانقسام أو الوحدة مسألة هوياتية بالدرجة الأولى: هل نحن شعب واحد أم لا وهذا يدخلنا في النقطة الثانية..

الهوية السورية المستقبلية

يجدر بنا الاعتراف مقدما على أي حوار بأن من مسببات الأزمة الأساسية، غياب هوية وطنية جامعة وتتوافق مع واقع سوريا وتنوعها الديني والقومي[1].

وأزمة الهوية تصاعدت مع تصاعد الانقسام المجتمعي بفعل العنف والخطاب الطائفي والعامل الخارجي. فأصبح الخلاف على المضمون السياسي خلاف على انتماءات.

من ناحية اخرى، تعد معالجة مسالة الهوية الوطنية جزء لا يتجزء من عملية إعادة بناء الدولة بطرح عقد اجتماعي جديد وتوافقي جامع لكل الأطياف. والسؤال المطروح، هل يحدد شكل سوريا المنشودة بشكل سابق للحوار أم بنتيجته؟

نعتقد أن موضوع الحوار يجب أن يتحدد بموضوع أساسي: وقف الحرب – إعادة المهجّرين – وحدة واستقلال سوريا – انتقال سياسي في مدة زمنية معينة – تعاون الجميع على مكافحة الإرهاب وإعادة سلطة الدولة.

أما النقاش حول الهوية الوطنية فعملية طويلة، كما أن تطبيق المتفق عليه بخصوصها يحتاج إلى وقت. لكن التوافق المبدئي في المرحلة التوافقية على خطوط عامة لمرحلة ما بعد الانتقال ضروي، وهو ما يعبر عنه عادةً بالأوصاف التي تلصق بسوريا المنشودة: سوريا تعددية، ديموقراطية، مدنية إلخ..

كيف؟

كان من الظواهر التي أبرزتها الأزمة السورية ظهور قفزة معرفية كبيرة تتعلق بتاريخ سوريا. فقبل الأزمة كان هناك حالة فراغ شبه تامة، وجهل عام بسوريا وتاريخها وهويتها، عدا تلك الرؤية القاصرة التي قدمها النظام القومي سواء عبر المؤسسات التعليمية أو تلك الثقافية والإعلامية.

فسوريا قطر عربي في وطن عربي كبير، وشعب عربي ضمن أمة عربية كبيرة. وسوريا فسيفساء يسودها التعايش والتفاهم، دون أن يعرف أحدهم مكونات هذه الفسيفساء وأن يفهم تاريخها.. هناك تنوع وحسب!

هذا الفراغ تبدى مع بدء الحراك، وسعي فئة المثقفين والشباب تحديداً لقلبه لثورة شعبية تنتهي على غرار النموذج التونسي بتغيير النظام، قبل أن يبرّر هذا الهدف بالنسبة لبعضهم كل الوسائل بل أكثرها حماقةً وقصر نظر: أي طلب التدخّل العسكري الخارجي على الغرار العراقي أو الليبي، ثم الاكتفاء بطلب تسليح الشعب ليقوم بثورته!

في ظل هذا الفراغ، حتى في الوسط المثقف والجامعي، كان لا بد من إيجاد عمق تاريخي للموقف السياسي المطروح، وهذه الحاجة أكثر ما تكون ملحّة لأولئك الذين ما عاشوا إلا في كنف النظام وبالاستفادة منه أو على الأقل ما عرفوا بموقف إلا مباركته واللامبالاة بسياساته الداخلية فيما مضى.

وإيجاد هذا العمق التاريخي للموقف السياسي يترافق بالضرورة مع النكوص عن كل الرؤى الإيديولوجية للنظام والهوية والتاريخ الذي طرحهما، بغرض التمايز عن النظام. لذا بدأت حركة إعادة كتابة التاريخ وإحياء مرويات غير موثقة وطرح معطيات تاريخية مثبتة، وتطييف للتاريخ[2].

طرح مثقفو الحراك رؤية تاريخية معتدلة في البداية تتمثل في إحياء الحالة الوطنية في مرحلة الاستقلال، لكن التيار الجارف والنزعة الشعبوية التي تجعل المثقف خلف الشارع لا العكس، أدت في النهاية إلى طرح رؤية طائفية وإقصائية وقاصرة للتاريخ، تجلى هذا مثلا:

·          باستنهاض التاريخ الإسلامي تحديدا ورموزه وأبطاله؛

·         وبإعادة تقديم الخلافة العثمانية "المظلومة" مع تصاعد الدور التركي في الأزمة والهالة التي أحاطت برجب طيب أردوغان؛

·         وبشيطنة المخالف ونزع صفة الوطنية او الولاء عنه، لا سيما من الأقليات عبر تخوينها وإحياء فتوى ابن تيمية وموقف الأقليات إبان الحروب الصليبية او الانتداب الفرنسي والترويج لنزعة انفصالية لدى بعض المكونات، والحديث عن تغيير ديموغرافي مصطنع في المدن ...

نلاحظ أن الانفعالية الشعبية أدت إلى خلق فوضى. فالتاريخ أصبح مادة أساسية يبني عليها معارضو اليوم مواقفهم، ونادرا ما تجد معارضاً يحدد تاريخا لموقفه في العام 2011 بنتيجة رد فعل النظام على الحراك الشعبي، بل إن الكل يبرأ من 40 عاماً على الأقل، ويطرح كل ما فيها وفق رؤية حدية: أبيض أو أسود. والبعض الاخر يربط الحراك الشعبي في 2011 بالحراك التنظيمي للإخوان المسلمين في الثمانينيات في محاولة لتجيير الحراك لصالحة بالقول أنه امتداد لتلك الحركة!

لا شك أن مسألة إعادة كتابة (أو تزوير) التاريخ لها أبعاد خطيرة، في ظل حالة الاستقطاب هذه. لكن الأخطر هو التعريف الهوياتي في هذا الظرف، وتعريف الذات والآخر في سياق الحرب وأطرافها.

فالمسألة الهوياتية ترتبط بالرؤية التاريخية لسوريا: وطن لكل السوريين أم لوطنيين مفترضين دون بعضٍ أقل وطنية؟ بلد إسلامي لمسلمين سنة فرضت حدوده إثر انهيار السلطنة العثمانية أم بلد مستقل ووطن لمختلف الانتماءات؟ بلد ذو عمق عربي إسلامي، أم ذو عمق تاريخي وحضاري عالمي؟

ثمة أمر هام، هو أن قضايا المستقبل غير مطروحة. فعلى الأقل، تحظى مسألة الحرب ومن ينتصر، والتفاوض وكيفية الانتقال إلخ.. تحظى بكل الاهتمام في حين أن شكل سوريا المستقبل والآليات الحقيقية والمواقف المرتبطة بالوصول إليها (العلمانية ومكانة الدين في الدولة مثلا) تبقى شبه مغيبة.

باختصار، فإن مسألتي الهوية وكتابة التاريخ مسائل لاحقة للعملية التفاوضية، لكن هذا لا يعني أن يتم إغفالها بالكامل، فتحديد الخطوط العريضة لسوريا الغد لا يقل أهمية عن التوافق على وقف الحرب والانتقال السياسي.

سليمان



[1]  انظر في أحد جوانب الأزمة المتعلقة بالهوية مقالنا في مجلة دلتا نون حول الإسلام الشامي.. http://beta-deltan.c-tpa.org/?lang=AR&node=26982

 

[2]  انظر الدراسة الهامة لباسيلوس زينو في هذا الصدد : http://goo.gl/bbWAb8

 

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s