الرئيسية \
2016/01/13 اليـــــــــوم الســـــــــوري
فكر الأسد في مواجهة الأزمة
الكاتب : يزيد جرجوس
  من منا لا يذكر الأيام الأولى لاندلاع أعمال "التظاهر" والشغب في سوريا مطلع العام 11 وبداية التحريض الإعلامي الغربي والعربي، بعد أشهر من التهديد والوعيد باستخدام "الربيع العربي" كنموذج منمط للإطاحة بالدول من الداخل، وعلى وقيعة الانهيار النفسي أولا. حالة الترقب الشديدة تلك، بكل ما فيها من محاولات لقراءة المشهد وفهمه بصورة تنبئية استشرافية، اخترقتها يومها الحكومة السورية بظهور صحفي للمستشارة بثينة شعبان، أكد أغلبية المراقبين أنها ظهرت وعلائم الخوف والارتباك واضحة عليها. فهل كان ذلك عفويا؟!!
  سوريا دولة المؤسسات، وهذا صار  بالفعل من نافلة الحديث والقول، مُدللا بصمودها وقدرتها على تأمين مستلزمات الحياة ولو بحدودها الدنيا في كثير من الأحيان، وبمستويات أخرى جيدة أو مقبولة في أحيان أخرى، إذا ما تناولنا الحديث عن الماء والكهرباء والهاتف والانترنت، وصولا للرواتب وهيكلية وعمل كافة مؤسسات الدولة. ومن ضمن هذه المؤسسات وعلى رأسها المؤسسة الأكثر كفاءة وسيادية، ألا وهي مؤسسة الرئاسة، بكل ما تحتويه من مستشارين وموظفين وعقول، يقودهم رأس السلطة ورمز البلد وسيادته، خاصة في مواجهة مخطط الفوضى الخلاقة، الرئيس بشار الأسد. ضابط الإيقاع وواضع السياسات وسيد الموقف بشخصه وبإمكاناته الذاتية التي طبعت شكل ونهج الدولة السورية عموما، إن كان في مرحلة النهوض والتحديث قبل هذه الحرب، أو في مرحلة الصمود والمواجهة واجتياز الصعاب والمعارك إبانها. بالوقت الذي توقع وربما "طالب" الكثيرون وعلى مراحل تطور الأزمة وتفاقمها، توقعوا أن تبدي الدولة السورية مخالبها وتكشر عن أنيابها في وجه المؤامرة، إيمانا من الشارع بحقيقة المؤامرة، وربما رغبة منه بضرورة القضاء عليها "بأسرع الطرق" كما ظن ويظن الكثيرون. ولكن الدولة السورية ورئيسها المحنك، كان لديهم الوجهة الأعمق للنظر، والقرار الأكثر شمولية واستيعابا، وكان من حسن الترتيبات المقصودة وغير المقصود أحيانا، أن غالبية المسؤوليين السوريين السياسيين والعسكريين والأمنيين، كانوا على قدر من الوعي السياسي والوطني مكنهم من مواكبة فكر القائد، وتفهمه، حيث وضع ذلك خطة المواجهة وأهدافها موضع النجاح النهائي. فقرار الاستيعاب الحكيم، اتخذ منذ اللحظة الأولى منطلقا، ومراعيا، لعدد من المعطيات والأولويات، فوحدة الدولة وأجهزتها وعلى رأسها القوات المسلحة، كانت في قمة هرم الأولويات، والأهداف أيضا، فهي مسألة تغذي نفسها وتثمر كلما كانت صحيحة.
هدوء القائد العام ورصانته، كانت أيضا العنصر الأبرز في رسم ملامح الثقة الشعبية الهائلة بحتمية العبور فوق وادي الخطر-الخطر بانهيار البلد وتشرذمها- وعليه انضم معظم أبناء الشعب إلى ضفة الدولة إيمانا بها وبأحقية قضيتها أولا، ولكن أيضا قناعة بحتمية انتصارها ثانيا. وهو أمر ظلت الدولة قادرة على الإيحاء به خاصة من خلال إطلالات الرئيس واستحقاقات ظهوره الرسمي والشعبي والإعلامي، والتي بدت وكأنها ضابطة الإيقاع الوطني المتين.
مع الأيام الأولى للأزمة ظهر الرئيس الأسد في إطلالته الأولى واثقا هادئا، مبتعدا عن تفاصيل الهجوم اليومية وتعابيره الإعلامية الدارجة، فيما بدا للبعض، وحاول البعض أيضا توصيفه على أنه "انفصال عن الواقع" فيما أثبتت الأيام أنه كان تشخيصا دقيقا وصادقا للواقع، مع عدم الانجرار إلى "لغة الأزمة" وحيثياتها الضيقة المسيئة. فأعلن الرجل صراحة ما لم يتمكن غالبية السوريين من التقاطه وقتها أو ربما تصديقه، إن الحرب ستستمر سنوات "وعلينا أن نتأقلم للعيش معها". بنفس الوتيرة من الهدوء والتماسك ظل الأسد يطل بصورة متواترة وبمختلف الأماكن ومع مختلف الشرائح، فمن مجلس الشعب إلى أماكن العمل التطوعي إلى جامعة دمشق إلى التظاهرات الشعبية العارمة إلى مواقع ونقاط الجيش والمناطق المحررة من الإرهاب، لم يترك الرجل مكانا وموقعا لم يزره، بنفس ابتسامته الواثقة، وخطابه الرصين، وهو المعتدى عليه، فيما رأينا خصومه ينفعلون ويثورون ويظهرون بقليل من الهيبة والانضباط، فيما هم المعتدون والمحرضون. بالفعل كان ذلك وسيبقى كعلامات فارقة في الإدارة والسياسة على مستوى العالم.
  أصر الأسد خلال كل مقارباته للأزمة وتداعياتها على النأي بالدولة ومؤسساتها السيادية، عن متاهات الأزمة و"زواريبها" إن صح التعبير، فظل ينظر إلى كل ما حدث ويحدث على أنه وإن وصل حد الخلاف بين السوريين، ولكن الدولة لم تكن ولن تكون طرفا في هذا النزاع، حماية لمكانتها، بل على العكس كانت وستبقى الراعي والضامن لكل المواطنين، وهي الموكلة الوحيدة بحماية الوطن والمواطنين، وليس ما أُريد لها أن تتورط فيه، كطرف في أي نزاع تحت سيادي، له علاقة بالسياسة والاختلاف. إن في ذلك خدمة وتنزيها ليس لصالح الدولة السورية الحالية بمؤسساتها وأشخاصها، ولكن لصالح مفهوم الدولة بشكل عام، وهو أمر سيبقى مع الأيام. وهو يطل بنا تماما على ماهية الصراع الحاصل وأهمية حماية هذه الدولة كما كل دولة، والانتباه إلى البديل المبيت. فكما نبه الكثير من كبار المفكرين السياسيين في العالم، إلى أن أشخاص الحكم في سوريا هم كبقية الناس راحلون كل في وقت ما، وستبقى فكرة الدولة السيدة والمستقلة والعلمانية هي الأهم والأبقى. لذلك رأينا الرئيس الأسد يركز كثيرا على توصيف الأمور وبلورة المفاهيم، بثبات وإصرار، لأنه لا يريد الانجرار، ولأنه يريد أن يكتب التاريخ بالنسخة الحقيقية التي تمثلنا نحن.
  إنه من أهم ما أنجزته الدولة السورية بقيادة الرئيس الأسد خلال الحرب عليها، هو التوازن والتروي في التعامل مع الحلفاء. ففي الوقت الذي ربما ينزع الكثيرون لمكتسبات آنية وسريعة، أو لمتطلبات مستعجلة، أصر القائد على النظر إلى البعيد وحسن إدارة العلاقة مع الحلفاء بما يتجاوز حتى تلك العلاقة مع الخصوم والأعداء، حفاظا على معنويات ومكانة الدولة السورية في محيطها السياسي والاستراتيجي، معولا في غالبية ذلك على قدرة السوريين بالدرجة الأولى على الصمود، وعلى ابتكار الحلول وأساليب الاستمرار. إن كل ذلك يشكل أسسا متينة لمستقبل وطن إضافة إلى كونه يدافع اليوم بالمعنى الميداني والاستراتيجي عن كل الأوطان، ولكنه يرسم لنفسه مستقبلا أكثر ضمانة وأعمق جذورا.
 
يزيد جرجوس
5/1/2016
 
 

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s