الرئيسية \
2016/06/26 اليـــــــــوم الســـــــــوري
العالم بعد ((انهيار دمشق))
الكاتب : يزيد جرجوس

    كل يوم تطالعنا الصحف ووسائل الإعلام بالحديث اليومي والمتكرر، عن "المفاوضات حول سوريا" و"الاتفاقات بين الروس والأميركيين" تارة و بين "الأميركيين والإيرانيين" تارة أخرى. فما هي ملامح هذه المفاوضات على الأرض، أو لنقل ما هو انعكاسها، وما هي الدلائل على وجود مفاوضات في العمق حقيقة، وليس في الإعلام وفي السراديب الديبلوماسية الدولية، بكل ما تحويه من فراغ وتنميط وافتعال للصورة و"الحقيقة" ناهيكم عن "الاتفاقات" والتي لا بد أن يكون لها مخرجات ما، حتى نؤمن ونعتقد بها.

  قد يبدو حديثنا ومن بدايته حاملا لمعنى التشكيك بكل ما يقال لنا في الإعلام السياسي الدولي، ونحن نعتقد أنه من حقنا لا بل من واجبنا رفع إشارة الشك والبحث عن اليقين، في عالم نبدوا نحن فيه أكثر من يدفع فاتورة تلك "الاشتباكات والترتيبات الدولية" التي تتظاهر بصورة حروب غالبا ما تكون على أراضينا وبأنفسنا نحن، فيما يسوق لنا أنها لأجل "قضايا عادلة ومصيرية أحيانا" وغالبا ما يقال "أنها مصيرية لنا".

  بالتأكيد ليس كل ما يقال في الأوساط السياسية والإعلامية التابعة لها، صحيحا، أو بريئا، وإلا لما وجدت أصلا مصطلحات "الديبلوماسية" و"سياسة الأمر الممكن" و"فوق الطاولة وتحتها"..الخ. من هنا، ومن مجريات الأحداث في سوريا وحولها، نريد الدخول إلى ماهية "التسويات والاتفاقات" التي يتم الإعلان والإعلام عنها. منذ سنوات خمس والحديث يتكرر عن "اتفاق روسي أميركي" عند كل مفترق طرق، وعلى كل ناصية يتهيأ للمراقبين أنها يجب أن تكون نقطة فاصلة، أو أنهم يجدون أنفسهم مضطرين لافتعال نقطة فصل منها، خاصة وغالبا من أجل دعم الحالة المعنوية للشارع، والتي تحتاج دائما لبصيص من الأمل، لكي يحدوها نحو الصبر والعطاء قليلا بعد. فليس كل المواطنين يمتلكون نفس القدرة ولا الرغبة أحيانا على الصبر والتحمل، ناهيكم عن العطاء والبذل في سبيل انتصار الوطن، وقد شاهدنا بأعيننا آلاف السوريين يعيشون يوما بيوم على وقع الملحقات الإخبارية التي تتحدث عن "قصف رتل لسيارات المسلحين" هنا، أو "إلقاء القبض على خلية أمنية" هناك. وضمن نفس هذا الإطار وفي مقدمته الأحاديث المتكررة عن "قرب انتهاء الأزمة" بسبب الاتفاق الروسي الأميركي المزعوم، والذي على وقعه وبمحاذاته، كاد العالم كله يتفجر من أوكرانيا إلى أرمينيا إلى العراق إلى اليمن إلى لبنان، وليبيا وتونس، وغيرها وغيرها.. أزمات تنفلت من العقال، وكلها تعبير صارخ عن حدة الصراع وتفاقمه، والذهاب بعيدا في سياسة كسر العظم، أو عض الأصابع على أقل تقدير. صحيح أن الأقطاب الكبرى لم تذهب ولا مرة لحد اللعب المباشر في ملاعب بعضها البعض، وفي هذا ربما يصح الحديث ولو عن تفاهم ضمني، أو على الأقل فهم واتفاق على قواعد عملاقة للمواجهة العملاقة، وفي هذا بالمناسبة خير وتعقل كبير، ومصلحة لنا قبل غيرنا كدول متوسطة وصغيرة، لو أن مواجهة كبرى حصلت في العالم، ربما تمحى واحدة منها بجرة قلم، وكبسة زر كما يقال.

أما للحديث عن الميدان السوري نفسه، فمع مرور السنوات، ومع تكرار الحديث عن تفاهمات، رأينا الحرب تشتد وتتصاعد، بالكم وبالنوع، فمحافظات بكاملها سقطت في يد المسلحين، فيما دول مجاورة وغير مجاورة تعلن علنيا دعمها لهؤلاء، وبالمقابل تطور الموقف الحليف لسوريا، من الحياد المعلن إلى التأييد إلى الدخول العسكري في الميدان، وحتى إنشاء مراكز قيادة كبرى تقاد من خلالها كل العلمليات العسكرية، وحتى السياسية. الجيش الروسي صار في قلب كل مكان من سوريا، والأميركيون يحاولون الدخول إلى أي منطقة، وغيرهم الكثير، فكيف يمكننا فهم ذلك، إلا أنه تعبير عن انعدام أفق الحل كما يروج له، على أنه تسوية ما، فيما نلاحظ أن الأمور تزداد سخونة وارتفاع مستويات التحدي في تصاعد مستمر.

إن كل ذلك يشي بأمر واحد هو أن الحرب هي الخيار الوحيد، حتى انتصار طرف على آخر. حرب مضبوطة وفق الآتي، سوريا وحلفاؤها سينتصرون لامحالة، ويكاد يكون هذا بمثابة الاستحقاق والحقيقة التاريخية، فلا يمكن تصور أو قبول شكل العالم بعد انهيار دمشق، كما أنه لا يمكن للمعسكر الشرقي تحمل نتيجة هذا الانهيار، وبالتالي فهو سيقاتل حتى النهاية حكما، وهذا ما يفهمه الأميركيون جيدا، وهم يبذلون وسعهم لتحميل خصومهم أكبر فاتورة ممكنة لنصرهم المتوقع. هذا كل ما يمكن أن ينجزه المعسكر الشرقي، في مواجهة الولايات المتحدة، في حين هي تستثمر في كل نقطة دماء تسال هنا أو هناك، فأوروبا تغرق بنتائج السياسات الأميركية، ودول الخليج التابعة المباشرة للإدارة الأميركية أيضا وتركيا وغيرها، وهذا ما سيدفعها جميعا لتقديم كل ما يلزم للمعلم الأميركي حتى يحافظ هو على سيطرته على نصف العالم، ويضمن لها شيئا من كعكته، وهي بهذا تتوه في متاهة لطالما شهد التاريخ مثلها، حين الكبار يستغلون الصغار ويبالغون في إرهاقهم، ولا يزيد ذلك التابعين إلا تبعية.

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s