الرئيسية \
2016/11/16 اليـــــــــوم الســـــــــوري
بين النص والتفسير.. (كلام الله) النص الواحد، أم التجزيء
الكاتب : يزيد جرجوس

    منذ فترة وأنا أتابع حوارا فكريا على إحدى القنوات الفضائية، لفتني جدا تعليق مقدم البرنامج الثقافي بامتياز، ردا على مداخلة من أحد الضيوف الذي كان يطرح فكرة "إيقاف العمل ببعض الآيات من النص القرآني" فكان رد المقدم "وهل يجوز إيقاف كلام الله؟!!" وقد بدا موقف المقدم، وكأنه إحراج مركز للضيف، ووضعه في مواجهة خطرة وغير منصفة، مع المتطرفين حملة فكر القتل لكل من يظنون أنه يخالفهم، أو لا يعتقد بمعتقدهم. طبعا من الوارد جدا أن يكون المقدم المحترف حاول وعن حق، دفع المتحدث لإبراز ما عنده من المنطق دفاعا عن كلمته، التي سنخوض نحن هنا فيها، محاولين فكفكة مضمونها، لا بل وبالأحرى مضمون سؤال المقدم الملتبس شكلا، العبقري مضمونا.. "هل يمكن وقف كلام الله".

  سؤال ربما عمره قرون على الأقل، يحتاج لفك عراه أن نفهم وفق رؤيتنا نحن على الأقل، والتي لا يسعنا أن نفرضها على الآخرين، وجل بأسنا أن نروج لها بالمنطق الذي يفهمه الآخرون، ما هو كلام الله على التحديد؟ وهل يمكن أن ينسب الكلام وأفكاره لله اختياريا، حتى لا نقول عبثيا، ودون رؤية واحدة شاملة؟!

  لدينا على الأقل وفق المفهوم البشري السائد اليوم، كتابان يحتويان على "كلام الله وأفكاره" أو تشريعاته، أحدهما بصورته الحرفية وهو القرآن ككتاب يحتوي على تعليمات منسوبة مباشرة للإله، نقلها الرسول محمد بحرفيتها، والآخر بصورة مروية عن "الله" كما روى وعاش المسيح، مقدما عددا من التعليمات الإلهية أيضا، ضمن إطار سلوكه الذي انطوى على تعريف بالإله وبأسلوب حياة ترفع البشر إليه، ولكنها منقولة على لسان عدد من التلاميذ الذين عاشوا معه. الكتابان يحتويان كما نوهنا على عدد هائل من القصص والتعليمات، التي يمكن أن تقرأ كل على حدى، ويمكن أيضا أن تدرس ضمن إطارها العام الجامع، ووفق منهجها الفكري الواسع، ومن خلال معرفة الظرف التاريخي والاجتماعي والسياسي الذي أنتجها أو تدخل في بلورتها، أو حتى لنقل أنها هي جاءت مسايرة له وآخذة لتفاصيله بعين الاعتبار.

  لنأخذ مثالا مبسطا من قصة الإنجيل، تلك التي تروي دخول المسيح إلى الهيكل حيث كان هناك تجمع للتجار، ومن ثم ضربهم بالعصا تنبيها وربما زجرا لهم على إساءتهم في الزمان والمكان. فهل يصح مثلا أن يأتي اليوم من يحمل عصاه أو يطالب بحمل العصي وضرب التجار، بديلا عن ضبط الأسواق بالقوانين والأنظمة؟! أو حتى ضربهم على الإطلاق، كنموذج للمتطرف المغالي عن الفكرة نفسها. أم أننا نقرأ بنظرة علمية نقدية سبب سلوك المسيح وقتها، ورغبته العامة بتصحيح أوضاع البشر وحياتهم، ونضع ذلك في إطار قصته كاملة ونحاول الفهم طارحين على أنفسنا السؤال التالي: هل نرى من قصة حياة المسيح وسيرته أنه يريد ضرب الناس بالعصي، أم يريد حياة أفضل تسمو بالروحانية والتسامح والمحبة؟! وبطريقة أوسع هل كانت كلمة المسيح هي ما قاله وفعله مع تجار الهيكل، أم هي مجمل ما قال وفعل في حياته؟! ثم بعدها نعود لقراءة كل تصرف للمسيح، وننظر فيه بعمق.

  إذا انتقلنا للقرآن وعلى نفس المنوال وفي نفس النهج، يمكننا أن نخرج منه عددا لا بأس به من الآيات التي تتحدث عن القتال أو القتل، كمثل ((قاتلوا أهل الكتاب حتى يؤتونكم الجزية عن يد وهم صاغرين)) كما وأيضا عدد أكبر من الآيات التي تتحدث عن التعامل والجدال بالحسنى، وعن حرية الاختيار حتى بين الكفر والإيمان ((يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) و ((لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)) و ((لو شاء ربك لآمن كل من في الأرض أجمعين، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)) والحديث هنا موجه للرسول محمد تحديدا، الخ. فأيهما هو "كلام الله""! هل يصح أن نأخذ جملة ما، وأحيانا غير مكتملة، وننسبها لكلمة الله ولإرادته، أم أننا يجب أن نفهم مجمل مقاصد النص، أو "الرسالة" ككلمة واحدة متكاملة تنطق برغبة مودعها بين أيدينا، وفي عقولنا. من هنا نرى أن المسلم أو المؤمن بتعاليم الإسلام، له أن يقرأ ويتعرف على مجمل الرسالة المحمدية، من ألفها إلى بائها، كنصوص منسوبة لله وأخرى لمحمد، ثم ليستنتج بنفسه هو، هل تهدف الرسالة المحمدية بنصيها إلى قتل الناس، و ممارسة الحكم عليهم بالقتل والترهيب، أم تهدف إلى صلاح البشر وتطوير حياتهم إلى ما هو أفضل. كما يمكنه النظر إلى تلك الحروب التي وردت بشأنها جمل ما في النصوص، كنواظم ضمن مرحلة الإعداد التاريخي لبناء دولة سياسية أراد المسلمون الأوائل نشر رسالتهم وتعميم مبادئها من خلالها، وليس العكس، أي ما قد يفهمه، وفهمه البعض على أنه "وظيفة الرسالة في إنشاء دولة الخلافة أو الإسلام".

  إذا فإن اعتبار فكرة ما، أو جملة ما مأخوذة من سياق النص، ومنزوعة عن ظرفها التاريخي والموضوعي، قد يجعل منها عرضة للتفسير ومن ثم الاستخدام الخاطئ، خاصة عندما نتحدث عن نص شمولي، يهدف بتكوينه إلى إيصال فكرة ما عامة وكبيرة، لا يتنازل عنها، ولذلك يقول عن نفسه أنه "كلمة" وليس مجموعة من الأفكار المنفصلة. من هنا فإن العمل وفق كل جملة من جمل النص-أي نص- وإذا كان وفق مفهوم ضيق يتعارض مع غرض النص العام، يبدو هو الخطأ الذي يجب التوقف عنده بتعجب، وليس المطالبة بوقف هذا العمل. إن خير مثال على ذلك دعوات الاستهجان، وإهمال الفتوى أو المطالبة بإعادة العمل بنظام الرق، من بعض رموز "الربيع التونسي" إبان انطلاقته، استنادا إلى النص القرآني الذي لا يحرمها، مع إهمال المقصد النهائي للنص نفسه، الذي ينحو إلى إلغائها، حيث يوجه في كل الآيات التي ترد فيها سيرة الرق إلى تركهم بوسيلة أو بأخرى. هنا لا بد لنا وانسجاما مع منهجنا الموضوعي في البحث والنقد، وحتى لا يوصف عملنا بالمجاملة والتجميل، فإننا نعتقد مع كل المعتقدين، بأن النصوص والآيات التي تتحدث عن أمور مثل الرق والقتل والسبي وما شابه، تبدو قاسية وغير منسجمة مع روح مفاهيم العصر الذي نعيش فيه، ومن هنا يأتي تأكيد الكثير من الدارسين والباحثين الموضوعيين عبر التاريخ، إلى قراءة هذه النصوص، ليس فقط في إطار النص الكامل، ولكن في سياق الحدث التاريخي، ومن خلال الاعتراف بالمفاهيم والمعطيات التاريخية الاجتماعية والسياسية، التي كانت سائدة وأتى النص ليتعامل معها، كما هي، وليس كما نريد نحن اليوم.

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s