الرئيسية \
2017/02/19 اليـــــــــوم الســـــــــوري
الجرح السوري
الكاتب : محمد الحصني
إذا كان تقسيم سورية الطبيعية إلى كيانات سياسية يعني تحطيم دورتها الاقتصادية الاجتماعية الواحدة إلى ثنائيات ملعونية تاريخيا (سورية ولبنان) (الأردن والعراق) (العراق والكويت) (الاردن وسوريا) (الضفة الغربية والأردن) (سورية والعراق) مما انتج في العقود الأخيرة للمنطقة جراح ثانوية وجراح رئيسية، فإن الخطأ الاستراتيجي القاتل كان بصرف الجهود والطاقات نحو الجراح الثانوية (الحرب العراقية الايرانية من أجل الاهواز) (السيطرة العراقية على الكويت) (قضية لواء اسكندرون وكليكيا) وتجاهل الجرح الرئيسي المميت لهذه المنطقة والمتمثل في اسرائيل ونيتها حاليا التحول إلى دولة يهودية (المترافقة مع إضعاف الكيان الشامي)
اعتاد كتابنا السياسيين على تمثل مثلث الدولة في التعليم – الصناعة – التجارة باعتبارهم اقانيم تصب في خدمة دورة قوة الوطن والمجتمع. إن الاشكالية التي تعاني منها دول العالم الثالث، وسورية الطبيعية أحدها، تتمثل بعدم جدية هذا الثالوث فيها، فالنظرة الموضوعية إلى تاريخ وجود هذا الكيان مقسما وأزماته المتلاحقة تفرض علينا تمثل ثالوث واقعي وهو الماء – النفط – القوة البشرية وأخذه على محمل الجد. الكيان الوحيد الذي يمتلك بقوة هذه اطراف هذا المثلث في كيانات سورية الطبيعية هو العراق، لا تملك الشام بجدية إلا ثنائية الماء والقوة البشرية (مع أهمية موقعها المصطنع بالتقسيم) بينما دول مثل الأردن أو لبنان أو الكويت بعيدة كل البعد عن امتلاك ثنائيات من هذا المثلث.
إن عدم متاخمة العراق لحدود اسرائيل وخلافاته السياسية مع الكيان الشامي منذ 1980 حتى 2003 كانا أحد الأسباب الكثيرة وراء صرف طاقاته في جراحه الثانوية. فإذا كانت هاتين النقطتين ألم مشترك في وجود العراق فإن اسرائيل هي الجرح القاتل في دائرة سورية الطبيعية. وهنا المفارقة في حكمة السياسة الخارجية السورية (أو إشكالية موقعها التقسيمي) في عدم صرف مقدراتها المتواضعة على مواجهة مفتوحة مع الاردن او تركيا أو حتى الخلاف مع العراق، وعليه لم يكن تدخلها في لبنان إلا للحفاظ على بقائها حية كقوة مؤثرة في المنطقة (بعد كامب ديفيد) وليس تدخلا مترفا.
إذا كان إضعاف العراق تمثل في تخريب وتدمير وتجويع ممنهج لمثلثه (القوة البشرية والنفط) فإن حربه المائية الظاهرة بدأت أوائل 1981 مع مشروع تركيا على نهري دجلة والفرات (غاب)* ليكون إخراجه النهائي من معادلة الجرح الرئيسي مع اسرائيل في تشكيل كيان سياسي (بعد 2003) يعتمد على فيدرالية لامركزية طائفية واثنية (تدمير القوة البشرية وتبديدها) وبالتالي تم نزع مخالبه وتقليص عضلاته إلى حدود إعادة بناء دولة من مرحلة ما قبل القبلية والطائفية.
إن المشروع التركي الغاب أدخل موضوع مياه دجلة والفرات في مجال الملف السياسي قابل للمساومة والابتزاز في منطقة مأزومة أصلا بملفاتها. ووضع العراق والشام تحت ضغط العطش مقابل دخولهما في مفاوضات مع اسرائيل تربط ملف مياه الجولان مع ملف مياه الشمال في ملف واحد طرفاه اسرائيل وتركيا مقابل أمن الشام والعراق، حيث عملت اسرائيل ومنذ بداية وجودها على عدة مشاريع مائية مع تركيا كانت تصب على فكرة جعل مياه تركيا لتركيا ونفط العرب للعرب.
إن الأحداث التي تدور في الشام (والتي قامت بهمة الدول الخالقة لحدود سايكس بيكو وبهمة الدول التي دعمت سابقا حرب العراق مع ايران) تقوم على فكرة سحب المياه تماما من ثنائية القوة الشامية (المياه والقوة البشرية) ومنعها بالمقابل من السير الطبيعي نحو تتمة المثلث (النفط والغاز) ومن هنا كان مشروع ربط البحار الخمسة ليس ورطة استراتيجية إنما هو محاولة للخروج من مأزق السيطرة التركية الاسرائيلية لمنطقة لا تقدر على الإتجاه نحو وحدتها الاقتصادية الاجتماعية، وبالتالي هو محاولة من أجل البقاء على قيد الحياة والقرار.
ومن هنا لا بد من التحذير من عدة مخاطر والتنبيه إلى مواطن قوة للعمل فيها وعليها: 
- لا بد من استثمار المصادر المائية الشامية المتاحة وخاصة على الساحل السوري. لأن الضغط المائي والصراع عليه كنتجة لتوافقات دولية قادم لا محالة. ومن هنا نفهم شراسة داعش في الجزيرة الشامية.
-  التحول إلى دولة نفط وغاز (الطرف الثالث في المثلث) قضية وجود ريثما يتوصل العراق إلى صيغة تعافيه الخاصة، إذا كان ذلك ممكنا، وللكيان والشامي وايران دور حيوي في هذا المجال.
-  تجنب سقوط الشام في هزيمة القوة البشرية بالوصول إلى تسوية تحاكي لامركزية واسعة أو مايشبه اتفاق الطائف قبيح الذكر. فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى دولة مركزية قوية قادرة على تحديد بوصلة العمل وتكريس الجهود للصراعات القادمة وهو ما لا تريده دول الجنوب (الخليج) ولا دول الغرب (فرنسا وبريطانيا وأمريكيا)، إن السماح بمرور مخطط من هذا النوع يعني تفتيت للقوة البشرية، ولتجنب هذا المصير فإن كل الوسائل (السياسية والعسكرية) متاحة للبقاء على قيد الحياة اجتماعيا.
- عدم التوجه إلى الغرب لوضوح تكتلاته وخططه عبر قرن من الزمن في تفتيتنا وتصفيتنا كشعوب وقضايا عادلة. بل التوجه إلى الشرق وعمقه والانحياز المدروس إلى استراتيجية تعبر بنا إلى حدود السيادة والاستقلال.
- تجنب السقوط في استنزاف الطاقات في حروب الجراح ثانوية ومهما كان ضغط المصلحة المتمثلة، وهي ضغوط قد تكون قادمة وقاسية، أي بقاء بوصلة المعركة باتجاه العدو الواضح اسرائيل.
- إخراج الصراع مع اسرائيل من عفوية التخبط السياسي الخارجي إلى مشروع داخلي وخارجي مخطط له. فلا يوجد ما يمنع السيادة السورية من إقرار قانون أو بروتوكولات سرية من أجل غاية واضحة تجاه العدو؛ يحدد للسطة التشريعية تشكيل لجان لمتابع تنفيذ مقرارت البروتوكول السياسية والاقتصادية والعسكرية والمالية والعلمية من أجل بناء دولة ومجتمع قوي يستعد من اجل لحظة الصراع القادمة (سياسيا كانت أو عسكريا) ولا يجب أن يتأثر هذا القانون بتغير الحكومة لأن مهمة الإشراف عليه ستكون على عاتق مجلس الشعب.
إن الحفاظ على القوة البشرية السورية وبقائها حية اجتماعيا هو الهم الأول والأخير لمصلحة سورية في كل معاركها وهو معيار صدق لأي فعل قادم. إن القرن السابق والذي مر على سوريا الطبيعية بما فيه من مشاريع سياسية وثقافية واقتصادية تهدف إلى إنهاء هذه القوة وتفتيتها يجب أن يذهب إلى غير عودة.
* مشروع الغاب أكبر مشروع للتنمية في تاريخ تركيا، وهو متعدد الجوانب والأغراض، حيث يتضمن 13 مشروع للري وإنتاج الكهرباء عن طريق إنشاء 18 سد على الفرات و4 سدود على دجلة وإقامة 19 محطة كهرومائية. ومن المخطط الانتهاء من تنفيذه 2010م. يمكن لمشروع الغاب أن يقطع المياه نهر الفرات عن سورية لمدة 600 يوم.
     
 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s