الرئيسية \
2013/10/21 الافتتاحية
التسوية المعقدة
الكاتب : مازن بلال

   أطراف الأزمة السورية أمام مشهد غير مسبوق، فهم فيما لو انعقد مؤتمر جنيف سيواجهون استحقاقا مختلفا عن كل مراحل الأزمة السابقة، حيث سيتعاملون مع تحد العودة إلى الخيار السياسي؛ بعد عامين ونصف من استخدام كل الوسائل باستثناء السياسة، وهم في نفس الوقت يدخلون تلك المرحلة بخيارات محدودة على عكس الطريقة التي سارت عليها الأزمة السورية التي كان سقف احتمالاتها مفتوحا، فالاتفاقات الدولية اليوم تضع مجموعة من الضوابط التي يصعب تجوازها في ظل نتائج مأساوية لحرب مستمرة منذ أكثر من عامين.

   كيف يمكن لاجتماع يعقد على مدي يومين رسم كافة الخطوط الأساسية لمستقبل سورية؟ والأهم كيف ستستطيع قوى لا تعرف واقعية تمثيلها داخل المجتمع أن تخوض تجربة سياسية جديدة؟ عمليا فإن الخارطة السياسية لسورية كانت غامضة في بداية الحدث، واصبحت مجهولة تماما في ظل صراع مسلح، فالتعامل على الأرض اليوم لا يتم وفق قواعد سياسية بل بصرامة المؤسسات، أو التشكيلات المقاتلة عند المعارضة، التي تعرف أنها تخوض حرب وليس منافسة سياسية، لكن الأسئلة تتراكب أيضا مع اعتبارين أساسيين:

-       الأول شبكة من العلاقات الحيوية ما بين بعض الأطراف المعارضة والدول الإقليمية، وهو أمر سيترتب عليه "محدودية" للحركة بالنسبة لهذه الأطراف بشأن مسألة السيادة السورية في قراراتها الكبرى، فأطراف المعارضة دون استثناء تذهب إلى جنيف وهي تدرك أن المساحة السياسية تضيق أمامها، وان البدائل الاستراتيجية ربما لا تكون متاحة على المدى القريب.

   هذا الاعتبار يترتب عليه نوعية مشاركة المعارضة في السلطة السياسية، على الأخص أن تجربتها في إدارة الملفات الكبرى لم تتجاوز العامين والنصف، وهي خلال تلك المرحلة كانت تتصدر المشهد لكنها نادرا ما تقوم بالتأثير عليه، وربما يكون التردد في المشاركة نتيجة عدم وجود رؤية لمسألة "التشارك"، فـ"الائتلاف" بنى تصوراته على ساحة خالية من أي شريك، ويجد نفسه اليوم مضطرا للتعامل مع خليط سياسي غير مألوف من السلطة السياسية وأطراف معارضة متنوعة، يضاف إليها جملة اعتبارات دولية وإقليمية.

-       الثاني يرتبط بالسلطة السياسية لأنها لن تدخل العملية السياسية بشكل اعتيادي أو سلس، وعملية المشاركة السياسية محدودة بتفاهمات دولية وهو شأن لم يكن واردا خلال الأربعين عاما الماضية على الأقل، فإعادة هيكلة البنية السياسية بما يتوافق مع مبدأ "المشاركة السياسية" لا يقوم اليوم على قاعدة التمثيل الحقيقي، بل على نوعية "التفاهم" الدولي الذي سيظهر في جنيف2.

   وإذا كانت المعارضة السياسية لا تقدم كتلة صلبة، فإن السلطة أيضا أصبحت محكومة بخيارات دولية أكثر منها داخلية، وإذا كان الحديث اليوم عن "تسويات تاريخية" فهذا يعني في النهاية أن المواقف الاستراتيجية لسورية باتت أمام مشهد لا يحتمل "بناء" عملية سياسية بل إقرار "شكل" مسبق كي يتوافق مع كافة المعايير التي أنتجتها الأزمة السورية على الساحة الإقليمية والدولية.

   هي تسوية معقدة بكافة المعايير، وتجربة "التشارك السياسي" في عمقها حقل ألغام  يحد من إمكانية ظهور بناء سياسي متماسك، لكن هذه التجربة المستجدة ربما تحمل عاملا إيجابيا واحدا هو احتمال ظهور تفكير سياسي مختلف بطبيعة سورية وبجغرافيتها السياسية المركبة.

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s