الرئيسية \
2016/08/16 الافتتاحية
الشمال السوري.. مشهد مختلف
الكاتب : م.ب

   من المبكر البحث عن موقع تركي جديد في المشهد السوري، فكافة التصريحات التي أعقبت لقاء الرئيسين فلاديمير بوتين  ورجب طيب أردوغان لم تقدم تصورات مختلفة، كما أن لقاءات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في أنقرة أوضحت أن بعض الخلافات في الملف السوري مازالت عميقة، وعلى ما يبدو فهناك معارك عسكرية وتصادم سياسي على المستوى الإقليمي سيحددان مسار القوة في الملف التركي، حيث يبدو الجهد الأساسي لكل من موسكو وطهران في اختراق التحالفات القديمة، وتأسيس علاقات مع تركية تستطيع تحقيق توازنات مختلفة تؤثر في عمق الأزمة السورية، وهناك مؤشرات واضحة على أن خطوط التماس على طول الجغرافية السورية ستتأثر بطبيعة العلاقات المستجدة.

     عمليا فإن معارك منبج وحلب تعيد رسم المحاور في الشرق الأوسط، فرغم أن الحرب تجري على كامل الجغرافية السورية، لكن ذروة التماس الإقليمي والدولي يتشكل على الحزام الشمالي الذي يضع معادلة مختلفة، حيث يستهدف التركيز الدولي إحداث تصدع في العلاقات القائمة حاليا، وإذا كان التحرك التركي استأثر باهتمام واضح فأنه في نفس الوقت رسم أيضا إشكالية أساسية تتضح عبر نقطتين أساسيتين: الأولى هي احتمال إيجاد تنسيق مختلف بين إيران وروسيا وتركيا؛ الأمر الذي سيؤدي إلى انهيار جبهة سعودية – تركية بقيت قوية منذ بداية الحدث السوري، والنقطة الثانية  قدرة موسكو على التأثير بقوة من خلال ترتيب العلاقة الإقليمية عبر وسيط تركي، أي انشاء جسر مع المجموعات الموالية لتركيا في سورية.

   وعبر الأمرين السابقين فإن المشهد الداخلي السوري يمكن أن يتبدل بالكامل، فالرهان الروسي لا يقوم على ترتيب الأدوار داخل سورية؛ إنما يستهدف إزاحة التأثير السعودي عن عمق ما يجري، وبشكل يسهل العملية السياسية ويضعف إلى حد كبير من تأثير الجهاز السياسي الذي تم إنشاؤه من بداية الأزمة، ويحتكر العديد من العوامل السياسية التي تساعد حل الأزمة في سورية، فالهدف الروسي القريب يبدو حتى اللحظة في ترتيب أوراق العملية السياسية والفصل بينها وبين التأثير العسكري المباشر، ومن هذا المنظور فإن الأزمة السورية تحولت في لقاء بوتين – أردوغان إلى مجموعات تقنية تعمل بمعزل عن إعادة ترميم العلاقة بين البلدين، فتلك المجموعات المكونة من قيادات أمنية وعسكرية هي لخلق إطار جديد لأهداف البلدين في المنطقة، أكثر من كونها تحول في المواقف المعلنة من قبل كل من موسكو وأنقرة.

   في المقابل فإن المشهد العسكري لم يتبدل كثيرا وعلى الأخص في مدينة حلب، وهذه المعركة بالذات يتم خوضها ضمن دائرة أخرى من العلاقات الإقليمية، فهدفها الأساسي التأثير على المعادلة السياسية التي يمكن أن تظهر بعد التطورات التركية تحديدا، ويمكننا ملاحظة ثلاث أمور أساسية:

-       الأولى أن المعركة الأولى في حلب كانت متزامنة مع اللقاء الأمريكي – الروسي الذي أنهى بعض الخلاقات بشأن "جبهة النصرة"؛ لكن العوامل الإضافية في هذا الموضوع كسرت الشكل العادي للمعركة وعلى الأخص فشل الانقلاب في تركيا.

   ضمن هذه النقطة فإن معركة حلب الأولى كان من المفترض أن تؤثر بقوة على الميزان السياسي، وتدفع الأجندة في جنيف للتحرك نحو عقد لقاء جديد يتيح إحراز تقدم في التفاوض، فهي معركة لتحريك الحل السياسي ولو على حساب "الدور السعودي"، فواشنطن كانت تستعجل تنفيذ أجندة جنيف، وكان واضحا أن المعركة تملك إطارا خاصا انتهى بسرعة نتيجة الزلزال الإقليمي الذي أحدثه فشكل الانقلاب العسكري في تركيا.

-       النقطة الثانية كانت في تحولات جبهة النصرة، فالتوافقات الأمريكية – الروسية لم تتضمن، وفق المؤشرات، تغير العامل التركي بهذه السرعة أو الخلل في معادلة أنقرة التي بدأت تعاني من نتائج الانقلاب الفاشل، وعند هذه النقطة تحديدا اختلت المعادلة بين موسكو وواشنطن، فبرز العامل الإقليمي بشدة، وكانت "رسائل المحيسني" إحدى الصور الأساسية لهذا الخلل.

  كان التحشيد لفك الحصار عن المجموعات المسلحة في حلب عامل إقليمي سبقه تغيير اسم جبهة النصرة، فالمسألة بالنسبة للولايات المتحدة لم تكن تخليا عن التوافقات مع موسكو بل محاولة لاسترجاع التوازن نتيجة الحدث التركي بالدرجة الأولى.

-       أخيرا هناك التدخل الدبلوماسي الإيراني عبر زيارة وزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى أنقرة، ومباحثاته هناك هي نوع من "التطمين" الإيراني لأنقرة بشأنها دورها الإقليمي، وربما تكريس لقوة العلاقات بين البلدين بغض النظر عن الخلافات داخل الملف السوري.

  الواضح أن الغاية الأساسية اليوم تتلخص في "تحديد" الدور التركي في الأزمة السوري، وبالتالي تحويل الأهداف لأنقرة باتجاه علاقات إقليمية متجددة بدلا من كونها سيناريو يتطابق مع الهدف السعودي، فالانتقال إلى رسم مشهد ابتداء من الشمال السوري يبعد بشكل واضح تأثير الرياض وفقط على المسار السياسي، وهو ما أدى إلى جعل معركة حلب مصيرية بالنسبة للرياض، في وقت سارعت فيه الولايات المتحدة للتعجيل من طرد داعش من منبح، فأدخلت بقوة العامل الكردي على خط الأزمة وعلى الدور التركي أيضا.

   هو مشهد غير مسبوق بالنسبة للشرق الأوسط، فشكل المنطقة يتحرك على إيقاع التحالفات الإقليمية الهشة، ووفق حركة مرتبطة أساسا بتفوق العامل الإقليمي على الدولي نتيجة ضعف النظام الدولي، ففي الشمال السوري ربما تتشكل محاور جديدة وأجندات سياسية إقليمية تحاول تبديل المعادلات القائمة.

 
المصدر : النهضة
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s