الرئيسية \
2016/08/23 الافتتاحية
المسألة الكردية على المحك
الكاتب : مازن بلال

ضمن تطور لافت أطلق رئيس الوزراء التركي، بينيلي يلدريم، تصريحات تشكل موقعا مختلفا في السياسة التركية؛ فقد استند إلى التطورات في مدينة الحسكة السورية، وإلى بيان الجيش السوري بخصوص ما يجري؛ ليطرح نقطة التقاء بين الدولتين مرتبطة بالموضوع الكردي، ورغم أن سيناريو التحول التركي مازال غامضاً، لكنه وللمرة الأولى يعتمد على مساحة التوافق التي ظهرت في مفاوضات جنيف، ويبتعد عن المواقف "الانقلابية" التي تعتمد على التأثير المباشر في الشكل السياسي القادم لسورية، ويبدو أن "المسألة الكردية" تحديدا تعيد ترتيب العلاقات الإقليمية من جديد.

• عمليا فإن الموقف التركي يريد "خلق توازن" دون أن يدخل في تحول حاد، فأنقرا لم تستند بعد إلى تصور نهائي بشأن علاقاتها الإقليمية وعلى الأخص مع دمشق، وتصريحات يلدريم الأخيرة تحمل ثلاثة مؤشرات:

• الأولى هي ذهابها إلى مربع التفاوض السوري – السوري، فهناك مرونة واضحة فيما يخص المرحلة الانتقالية، وهي مرونة متناقضة مع مواقف وفد "الائتلاف"، الأمر الذي سيرتب جملة استحقاقات سياسية متعلقة بالأطراف المعارضة التي تدعمها.

• الثاني فتح قناة العلاقة مع سورية عبر المسألة الكردية؛ ما يعني أن الأمور الأخرى المتعلقة بالمجموعات المسلحة المدعومة تركياً هي أمر سيدخل ضمن السياق لكنه لا يمثل أولوية.

• الثالث هو رسائل ثقة تجاه الطرفين الإيراني والروسي، فهي تطرح نفسها جزءا من الحل، وحلقة ضمن المعادلة المتوقعة خلال "الستة أشهر" التي تحدث عنها يلدريم لحل الأزمة السورية.

لكن المؤشرات السابقة تقف عند حدود التفكير الأمريكي بالموضوع الكردي في سورية؛ فلم تطرح واشنطن بعد مواقف "متشددة" بشأن "وحدات حماية الشعب الكردي"، وهي على ما يبدو لا تريد استعجال أي دعم لهم أو توافق بشأن "انفصالهم" أو حتى دخولهم في "فيديرالية" مستقبلية داخل سورية، فواشنطن وضعت الأكراد ضمن الرهان الخاص بحل الأزمة، فبعد صدامهم مع الجيش السوري أصبح حضورهم في جولات التفاوض أساسي، وبات الحديث عن تمثيلهم أمرا لا يمكن الهروب منه على الأقل بالنسبة لتركيا والسعودية، فواشنطن لا تتحدث عن "الأكراد" حصرا، بل عن طيف جديد على طاولة التفاوض يمكن أن يحتل مقاعد "الائتلاف" الذي فقد الكثير من الأوراق، وما يفسر عدم الدخول بقوة في الحديث عن دعم أمريكي عسكري للسوريين الأكراد يرتبط بمساحة التفاوض التي تبحث عنها واشنطن؛ فهي تنتظر أولا زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى أنقرا، حيث من المتوقع أن تضع مباحثاته هناك حدودا واضحة لعلاقة واشنطن بأنقرا، وبالتالي فإن سيناريو الدعم للأكراد سيصبح نقطة الاختبار بين البلدين.

الأمر الثاني بالنسبة لواشنطن هو إيجاد قوة "فوق إقليمية" للتأثير على المنظومة القادمة للشرق الأوسط، وبالتأكيد فإن العامل الكردي يشكل هذه القوة العابرة لحدود الدول في المنطقة، فتعاملها اليوم مع "الاتحاد الديموقراطي" وجناحه العسكري في سورية هو رهان قوي؛ في مقابل علاقة روسية قديمة وقوية مع نفس التنظيم، فواشنطن ستواجه لاحقا قلقا إقليميا عاما من العامل الكردي، وفي نفس الوقت عدم وجود سيناريو كامل لحل موضوع الدولة الكردية، فنموذج إقليم كردستان العراق لم يعد كافيا، وهو في الرؤية الاستراتيجية يتضارب مع مشروع أي فصيل له علاقة بحزب العمال الكردستاني.

هذا الاشتباك الدولي لا يجري فقط ضمن معارك عسكرية في مدينة الحسكة، بل هو أوسع من ذلك لأنه على المستوى السوري ينطلق من خلق جبهة تبدأ من مدينة الباب مرورا بمنبج ثم الحسكة وأخيرا القامشلي، وهي جبهة مقابلة لما قام الروس بتأسيسه في حلب مع الجيش السوري وحلفائه، وأما على المستوى الإقليمي فهو ينطلق من إعادة ترتيب العلاقات مع تركيا وإدخالها ضمن شروط خاصة في منظومة شرق أوسطية تتشكل، وأخيرا فإن جبهات إقليمية بدأت تتبلور مع استخدام الروس لقاعدة همدان الإيرانية، فهناك محاولة عزل استباقي للسعودية عن لعب دور يمكن أن يتجاوز الأدوار الأخرى.

لا يمكن رؤية المعارك في مدينة الحسكة من منظور يرتبط فقط بتحريك العامل الكردي، إنما بالوظائف التي تفكر بها الدول الكبرى للعلاقات في الشرق الأوسط، فإدخال "الاتحاد الديمقراطي" في صراع مع الجيش السوري سيشكل إرباكا لكافة المعسكرات، وعلى الأخص "الائتلاف" وللكثير من المجموعات المسلحة على الأرض، لأنها ترى اليوم منافسا قوياً على المستويين السياسي والعسكري، وهي أيضا مضطرة لقبول شروط سياسية جديدة تدفعها لتغير بنيتها، أما على الجانب السوري فهناك إمكانيات أخرى لا تتعلق بالتفاوض في جنيف بل بنوعية العلاقات السورية مع دول الجوار، فالصدام الدولي والإقليمي من خلال الأكراد سيرسم تصورا مختلفا للأزمة السورية، إذا كانت السيناريوهات اليوم غير مكتملة لكن الظرف مهيأ بالكامل لتحولات عميقة على مستوى العلاقات في الشرق الأوسط.

نستطيع رؤية الشمال الشرقي لسورية وفق الصراعات التي تدور فيه على أنه بوابة تكوين المنطقة، فالمعارك كشفت عمليا عمق الصراع، ودخول الأكراد هو العامل المرجح لانهيار العلاقات التي سادت خلال الأزمة السورية، فالمعادلة اليوم باتت مختلفة؛ ليس لأن الحرب بدأت تطال مدينة الحسكة، بل لأن كلا من تركيا والولايات المتحدة لديهم حسابات جديدة ربما تحد من زيادة التصعيد الذي نشهده منذ خمس سنوات.

 
المصدر : النهضة
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s